آدم هشام، طفلٌ لم يتجاوز العاشرة، يسير كل صباح نحو مدرسته في البساتين بالقاهرة، يحمل على ظهره حقيبته الصغيرة، وبداخلها كُتب ودفاتر وألوان وأحلام طفلٍ لم يختبر بعد قسوة العالم. لكنه لم يكن يعلم أن يومًا دراسيًا عاديًا، كأي يومٍ مضى، سيتحول إلى لحظةٍ فارقة في حياته، لحظةٍ ستجعله يخشى النظر إلى نفسه في المرآة، لا خوفًا من الألم في عينه اليسرى، بل مما رآه حين طُعن بالقلم الرصاص على يد زميله الذي يحمل نفس اسمه، ومما شعر به حين تُرك وحيدًا بين أصوات ضحكات زملائه وخوفه الذي لم يفهمه أحد.
«أنا معايا رقم مامتك»
بدأ كل شيء حين طلبت معلمة اللغة الإنجليزية من «آدم» رقم هاتف والدته.. طفلٌ بريء لم يجد في الأمر غرابة، فأعطاها الرقم دون تردد، ولم يكن يعلم أن مجرد ذلك التصرف سيشعل فتيل أزمةٍ ستترك في جسده ندبةً لا تُمحى، وفق المجنى عليه.
بجواره، كان يجلس طفلٌ آخر يحمل الاسم ذاته، آدم، لكنه في تلك اللحظة لم يكن صديقًا أو زميلًا، بل كان عينًا تراقب، ويدًا تمتد بخفةٍ لتكتب الرقم ذاته على راحة كفه الصغيرة، وحين رفع «آدم» الأول عينيه، وجد زميله يبتسم ابتسامةً لم يفهمها، بينما يرفع يده أمام وجهه ويقول له بنبرةٍ واثقة: «أنا معايا رقم مامتك».
كانت الجملة كفيلةً بإثارة غضب آدم هشام. شعر بالإهانة، لكنه لم يكن يدري كيف يعبّر عنها. لم يكن المشهد ليقف عند ذلك الحد، فقد احتدّت الكلمات بين الطفلين، كلٌّ يحاول إثبات قوّته، لكنّ القوة هنا لم تكن بالأيدي، بل بالقلم الرصاص الذي حمله آدم الآخر وغرسه في عين آدم هشام، كأنه لم يكن قلمًا، بل خنجرٌ صغيرٌ استقر في الجفن، ثم اندفع داخله حتى بلغ قاع العين، وحتى لامس الجمجمة، حسب حكي والدة المجنى عليه.
«يحمل القلم في عينه»
لحظاتٌ من الفوضى. صرخاتٌ ملأت الفصل، وأعينٌ واسعةٌ تتابع المشهد دون أن تتدخل، كما لو أن ما يحدث هو مجرد مشهدٍ في فيلم، لا واقعٌ مؤلمٌ يعيشونه أمام أعينهم، أما المعلمة، فلم تكن موجودة حين غُرِس القلم، لكنها ظهرت بعد ذلك، كما قال زملاء الطفل، حين طلبت من آدم هشام أن يحمل حقيبته ويتحرك، لكنها لم تكد تلتفت حتى كان القلم في عينه، والدم قد بدأ ينزف، والفصل كله قد تحوّل إلى جلبةٍ لا تنتهي.
أما يوسف، شقيق آدم هشام، فقد رأى المشهد من بعيد.. لم يكن في نفس الفصل، لكنه كان في نفس المدرسة. رأى أخاه يتلوّى من الألم، ودموعه تختلط بالدم، فأخرج هاتفه بسرعةٍ واتصل بوالدته، صارخًا: «ماما، تعالي حالًا، آدم في خطر!».
جاءت «فاتن»، الأم، مسرعةً إلى المدرسة، لا تعلم ما الذي ينتظرها.. كان في داخلها إحساسٌ بأن الأمر خطير، لكنها لم تكن تتخيل أن تجد ابنها يحمل القلم في عينه، لا يستطيع حتى أن يبكي من شدّة الألم. حملته بين ذراعيها وركضت به إلى أقرب مستوصف طبي، لكن الأطباء أخبروها أن الأمر يتطلب تدخّلًا جراحيًا عاجلًا.
في المستشفى، كانت الساعات تمر بطيئةً كأنها دهر.. دخل الطفل إلى العمليات، وبقيت الأم هناك، بين الدعاء والصمت، تحاول ألا تفكر في أسوأ الاحتمالات. وحين خرج الطبيب، قال لها جملةً واحدة: «لقد نجونا بمعجزة».
القلم، الذي كان من الممكن أن يودي بحياة طفلها، تم استئصاله.. العين لم تفقد الرؤية بالكامل، لكن الرعب ظلّ ساكنًا في قلب الطفل، كما لو كان الجرح الحقيقي ليس في عينه، بل في روحه التي لم تعد كما كانت.
«أين دور المدرسة»
بعد أن بدأ آدم هشام بالتعافي، توجه والده إلى قسم شرطة الخليفة، وحرر محضرًا بالواقعة، لكنه عاد بعد ذلك وقال إنه سيتنازل، ربما كان يريد إنهاء الأمر دون تصعيد، وربما شعر أن طفله قد نجا، فلماذا يُحوّل القصة إلى عداوةٍ أكبر؟، حسب حديثه «القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.. بدأت أتلق تهديداتٍ، تغيّر موقفي».. لم يكن التهديد مباشرًا، لكنه كان كافيًا ليجعله يعيد النظر في قراره.. عاد إلى الشرطة، وأخبرهم بأنه لن يتنازل، وفق كلامه.
أما أسرة الطفل الآخر، فلم تعلّق. لم يخرج عنهم رد فعل، ولم يتحدثوا عما حدث، وكأن الصمت هو وسيلتهم الوحيدة للهروب من حقيقة أن ابنهم غرس القلم في عين زميله، والمدرسة، حيث وقعت الكارثة، بقيت بلا تعليقٍ هي الأخرى.
فاتن، والدة آدم، لم تكن تبحث عن انتقام، لكنها كانت تريد إجابة.. كيف يمكن أن يتحول طفلٌ في العاشرة إلى معتدٍ بهذه الوحشية؟ أين كان دور المدرسة؟ ولماذا لم يتحرك أحد قبل أن تتحول الحصة الدراسية إلى مأساة؟.
أما آدم هشام، فكان يرفض الحديث كثيرًا، صار الصمت ملاذه، والعزلة طريقه الجديد.. لم يعد يخرج للعب كما كان، ولم يعد يستمتع بالأشياء الصغيرة.،في كل مرةٍ يغمض عينه المصابة، يرى المشهد يتكرر. القلم في يده، يقترب من عينه، القلم في يده، يقترب من عينه، الألم، الدم، نظرات زملائه، صوت المعلمة وهي تصرخ، لحظات الخوف.. كلها أصبحت كابوسًا يطارده كل ليلة.
تحاول أمه أن تطمئنه، تخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه أقوى مما يظن. لكنه لا يصدقها.
زملاؤه الطفلان في الفصل يتحدثون عن القصة وكأنها مجرد حدثٍ مرّ في يومهم الدراسي. بعضهم شعر بالخوف، البعض لم يهتم، والبعض وجد فيها شيئًا يستحق الحكي أمام الأهل والأصدقاء: «تخيلوا، القلم دخل في عينه فعلًا! كان الدم بينزل كتير».
أما آدم هشام، فهو الآن في بيته، لا يذهب إلى المدرسة، ولا يلعب مع أصدقائه. ينظر إلى المرآة كل صباح، يقترب منها، يفتح عينه المصابة، يراها تتحسن مع الأيام، لكنّه يعلم أن هناك أشياء لا تشفى أبدًا.