
كتب- محمد جعفر:
في السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية العالمية بشأن توقيت واحتمالات تحرك الصين عسكريًا لفرض سيطرتها على تايوان، وسط تقديرات متباينة تجمع بين التحذير من اقتراب لحظة الحسم، والتشكيك في جاهزية بكين لتحمل كلفة خطوة بهذا الحجم خاصة في ظل الموقف الأمريكي والأوروبي الداعم لتايبيه.
وبين هذين المسارين، تتداخل عوامل داخلية وخارجية تُبقي القرار الصيني معلقًا بين الانتظار والمغامرة، وهو ما تناوله تحليل لمجلة (Foreign Affairs) الأمريكية.
"نافذة ديفيدسون".. إنذار مبكر
في عام 2021، حذّر الأدميرال الأمريكي فيليب ديفيدسون، قائد قيادة المحيطين الهندي والهادئ آنذاك، من أن الصين وضعت هدفًا جادًا للسيطرة على تايوان قبل عام 2027، هذا التقدير الذي عُرف لاحقًا باسم "نافذة ديفيدسون"، أثار قلقًا واسعًا في واشنطن، ودفع إلى تحركات سريعة لتعزيز الردع الأمريكي في المحيط الهادئ، إلى جانب توسيع الدعم الدبلوماسي والأمني لتايوان.
غير أن هذا الزخم الأمريكي أثار في الوقت ذاته مخاوف بعض المراقبين من أن المبالغة في دعم تايوان قد تُقنع بكين بأن واشنطن تتخلى عمليًا عن سياسة الغموض التقليدية بشأن استقلال الجزيرة.
شكوك حول الجاهزية العسكرية
مع مرور الوقت، بدأ التشكيك يتزايد في فرضية قرب التحرك الصيني، وفي الوقت ذاته رأى منتقدو "نافذة ديفيدسون" أن تنفيذ عملية إنزال برمائي على جزيرة جبلية كتايوان يُعد من أعقد العمليات العسكرية، خاصة في ظل ما تعرض له الجيش الصيني من حملات تطهير أطاحت بعدد من كبار القادة، وأثّرت على تماسك المؤسسة العسكرية.
كما عززت تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا هذا الاتجاه، بعدما كشفت صعوبة الحسم العسكري وكلفة العقوبات الاقتصادية، ما دفع البعض للاعتقاد بأن تايوان ليست أولوية فورية لبكين.
تحول في الموقف الصيني خلال 2025
رغم هذه الشكوك، يشير التقرير إلى أن عام 2025 شكّل نقطة تحول لافتة في الخطاب الصيني، فقد شددت بكين على أن "إعادة التوحيد" مع تايوان مسألة حتمية لا تقبل الجدل، مع تنامي قناعة داخل الأوساط السياسية بأن فرض السيطرة قد يصبح وشيكًا، خصوصًا إذا أقدمت تايوان على خطوات تُعد استفزازية من وجهة نظر الصين.
ويُعزى هذا التحول جزئيًا إلى قراءة صينية للسياسة الأمريكية، تقوم على الاعتقاد بأن الرئيس دونالد ترامب أقل استعدادًا للتدخل عسكريًا دفاعًا عن تايوان، إلى جانب تراجع شعبية الرئيس التايواني لاي تشينغ تي، الذي لا تحظى سياساته بثقة بكين.
عام 2027.. حساسية داخلية لا لحظة هجوم
على الرغم من توجيه شي جين بينج الجيش للاستعداد بحلول 2027، يستبعد التقرير أن يكون ذلك العام موعدًا للتحرك العسكري، فالحزب الشيوعي الصيني سيعقد مؤتمره الحادي والعشرين في خريف ذلك العام، حيث تُعطى الأولوية القصوى للاستقرار السياسي، ويُنظر لأي قرار قد يخل بالتوازن الداخلي بوصفه مخاطرة غير محسوبة.
إضافة إلى ذلك، يمثل 2027 نهاية الولاية الثالثة لشي جين بينغ، وسط نقاشات حول ترتيبات الخلافة سواءً في الحزب أو رئاسة الحكومة، ما يُرجح أن تؤدي أي عملية نقل جزئي للسلطة إلى تأجيل قرارات مصيرية، من بينها خيار استخدام القوة ضد تايوان.
الحسابات الأمريكية.. عامل الحسم
يبقى العامل الأمريكي هو المحدد الأهم في حسابات بكين، فالصين تدرك أن نجاح أي عملية عسكرية مرهون بعدم تدخل الولايات المتحدة، وتعتقد القيادة الصينية أن المرحلة الحالية قد تمثل فرصة نادرة، في ظل تركيز واشنطن على الشؤون الداخلية ونصف الكرة الغربي ونزاعها بشأن جزيرة جرينلاند، وكذلك تراجع حدة ردودها على التحركات الصينية الأخيرة حول تايوان.
لكن هذه النافذة قد تكون محدودة زمنيًا، إذ قد تتغير أولويات واشنطن مع تبدل موازين القوى داخل الكونجرس أو تراجع شعبية الإدارة الأمريكية، ما يجعل التردد الأمريكي الحالي غير مضمون الاستمرار.
أوكرانيا وتأثيرها غير المباشر
تُعد الحرب الروسية في أوكرانيا عاملًا إضافيًا في الحسابات الصينية، إذ استنزفت جزءًا كبيرًا من اهتمام وموارد الولايات المتحدة، واستمرار هذا الانشغال يقلل من فرص مواجهة أمريكية مباشرة مع الصين في المحيط الهادئ، لكن انتهاء الحرب قد يعيد تركيز واشنطن نحو آسيا، ويقوض ما تعتبره بكين فرصة سانحة، خاصة مع الحديث عن قرب التوصل لاتفاق بشأن الحرب الروسية الأوكرانية.
ميزان القوى والتكلفة المحتملة
من الناحية العسكرية البحتة، يملك جيش التحرير الشعبي تفوقًا واضحًا على القوات التايوانية من حيث العدد والميزانية، غير أن هذا التفوق يصبح نسبيًا إذا ما أُخذ احتمال التدخل الأمريكي في الحسبان، كما أن القلق من العقوبات الاقتصادية الواسعة من واشنطن والعواصم الأوروبية يظل عنصر ردع أساسي، رغم قناعة صينية متزايدة بأن قدرتها على تحمل الضغوط الخارجية أكبر مما كانت عليه في السابق.
انتظار محسوب لا اندفاع فوري
وتخلص المجلة في تحليلها إلى أن الصين لا تستعد لهجوم وشيك، إذ لا مؤشرات واضحة على حشد عسكري أو استعدادات لوجستية واسعة. لكنها في الوقت نفسه لم تعد واثقة بأن الزمن يعمل تلقائيًا لصالحها كما في السابق، وبين استراتيجية "التوحيد السلمي" التي آمنت بها طويلًا، وإغراء استغلال لحظة دولية مواتية، تظل بكين عالقة بين خيار الانتظار وخيار الحسم.
وفي هذا السياق، تشير المجلة إلى أن تراكم هذه العوامل قد يدفع الصين إلى اعتبار المرحلة الراهنة أفضل فرصة تاريخية لفرض السيطرة على تايوان، إذا ما رأت أن كلفة التحرك باتت أقل من كلفة التأجيل.