
فجر اليوم الجمعة، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منطقة الشرق الأوسط بأسرها في "المنطقة الرمادية"؛ إذ أطلق من مركز كينيدي حول "الأرمادا الضخمة" -وهي حشود هائلة من السفن الحربية- التي تبحر صوب إيران، متحدثًا في الوقت ذاته عن رغبته في "الحديث".
ظاهريًا، بدا المشهد كلاسيكيًا: يسبق التفاوض. لكن خلف كواليس هذا الضجيج الرسمي، ثمة مؤشر صامت، وبدائي جدًا، بدأ يرسل إشارات متضاربة قد تقلب الطاولة على الرواية الرسمية.
في واشنطن، حيث تُصنع الحروب بالذكاء الاصطناعي وتُدار عبر شبكات مشفرة، لا تزال هناك "ثغرة بيولوجية" واحدة لم ينجح البنتاجون في سدها منذ حرب الخليج الأولى. هذه الثغرة لا تكمن في أنظمة "السايبر"، بل في "الدورة البيولوجية" لصناع القرار.
فبينما كانت وكالات الأنباء تنقل تهديدات ترامب ليلة أمس، كانت خوارزميات التتبع المفتوح () ترصد نشاطًا شاذًا في "القطاع الخدمي" بمقاطعة أرلينجتون؛ وهو نشاطٌ أعاد للأذهان فورًا ما حدث قبل 27 يومًا فقط، حينما تجاهل العالم "إشارة البيتزا" واستيقظ على سقوط مادورو في فنزويلا.
واليوم، لم يعد السؤال "ماذا قال ترامب؟"، بل أصبح "ماذا طلب البنتاجون للعشاء؟". وهل نحن أمام تكرار لسيناريو فنزويلا الصامت، أم أن "ضجيج السفن" هو الحقيقة الوحيدة؟
الإجابة عن هذه التساؤلات تكمن في تتبع الخيط الرفيع الذي يربط بين "فرانك ميكس" في التسعينيات، وبين "خرائط جوجل" في 2026، وهو خيط يبدأ بقطعة بيتزا وينتهي بضربة جوية.

مؤشر البيتزا.. فرانك ميكس الذي فضح الحرب
لفهم لغز الليلة، علينا العودة بالزمن إلى حقبة ما قبل الخوارزميات، وتحديدًا إلى مطلع التسعينيات في واشنطن. في تلك الأيام، لم تكن الهواتف الذكية قد وُلدت بعد، وكان "الأمن التشغيلي" يعتمد على الجدران العازلة وليس التشفير الرقمي.
ووسط هذا العالم التناظري، اكتشف رجل واحد، بمحض الصدفة، الثغرة التي عجزت أجهزة الاستخبارات السوفيتية عن استغلالها.
هذا الرجل كان مديرًا لسلسلة مطاعم "دومينوز بيتزا" يُدعى ""، الذي امتلك 45 فرعًا في العاصمة واشنطن، بما في ذلك الفروع الاستراتيجية التي تخدم البيت الأبيض، ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، والبنتاجون.
وبحكم موقعه في "مطبخ القرار" الخلفي، بدأ يلاحظ نمطًا سلوكيًا غريبًا: قبل كل أزمة عالمية كبرى بـ 24 إلى 48 ساعة، تتحول هذه المباني الحكومية الهادئة ليلًا إلى "ثقوب سوداء" تبتلع كميات هائلة من البيتزا.
اللحظة الفارقة جاءت ليلة الأول من أغسطس 1990، حين سجل "ميكس" طلبات قياسية وغير مسبوقة على البيتزا من وكالة الاستخبارات المركزية والبنتاجون في وقت متأخر جدًا من الليل، والتي كانت بمثابة "وقودٍ" لغرف عمليات تعمل بطاقتها القصوى.
وفي اليوم التالي مباشرة (2 أغسطس)، اجتاحت القوات العراقية الكويت، وبدأت حرب الخليج الأولى.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد تكرر "المؤشر" بدقة مخيفة قبل التدخل الأمريكي في بنما، وقبل غزو جرينادا، وحتى في "ليلة السكاكين الطويلة" السياسية أثناء فضيحة كلينتون-لوينسكي.
أطلق "ميكس" على اكتشافه اسم "مؤشر البيتزا"، وتحول الأمر من ملاحظة شخصية إلى ظاهرة إعلامية، لدرجة أن "وولف بليتزر"، مراسل CNN الشهير آنذاك، كان ينصح زملاءه قائلًا: "إذا أردتم معرفة موعد الحرب، لا تسألوا المتحدث الرسمي، راقبوا موظفي توصيل البيتزا".
لكن، وكأي ثغرة أمنية يتم كشفها، سارعت المؤسسة العسكرية لإغلاق ثغرة البيتزا تلك. وفي عام 1991، وبعد انتشار قصة "ميكس"، أصدر البنتاجون تعليمات صارمة بمنع الطلبات الجماعية من الخارج أوقات الأزمات، واستبدلها بتموين داخلي لـ "تعمية" العدو.
مات "فرانك ميكس" عام 2004، وظن الجميع أن "مؤشر البيتزا" قد دُفن معه، ليتحول إلى مجرد من زمن التسعينيات. لكن ما لم يدركه أحد حينها أن المؤشر لم يمت، وأنه كان يستعد لعملية "تحديث" رقمية مرعبة ستجعله أكثر دقة وفتكًا في عام 2026، عبر "جوجل".

إنذار كاراكاس.. البروفة الأخيرة
قد يظن البعض أن قصة "ميكس" مجرد حنين للماضي، إلا أن أحداث شهر يناير الحالي (2026) حملت معها لكل من استخف بهذا المؤشر "البدائي".
فقبل 27 يومًا فقط، وتحديدًا في ليلة الثالث من يناير، قدم لنا "مؤشر البيتزا" بروفة حية ومرعبة لكفاءته في عصر الحروب الهجينة، كاشفًا عن عملية عسكرية أمريكية كبرى قبل حدوثها بساعات، بينما كانت الأقمار الصناعية ووكالات الأنباء غارقة في صمت مطبق.
القصة بدأت في تمام الساعة 2:04 من صباح يوم السبت، 3 يناير 2026. في ذلك التوقيت الميت، وبينما كانت واشنطن تغط في النوم، رصدت مجسات التتبع الرقمي نشاطًا شاذًا ومحمومًا في مطعم "Pizzato Pizza" ومطاعم "Papa John's" الواقعة في محيط البنتاجون ومقر القيادة الجنوبية؛ حينها، قفزت بيانات الطلبات بشكل مفاجئ بنسبة تتراوح بين 700% إلى 1250% مقارنة بالمعدل الطبيعي لليلة السبت.
لم تكن هناك مباراة "سوبر بول"، ولا حدث سياسي معلن، ولا كارثة طبيعية تبرر هذا السهر الجماعي. وقد التقط المحللون الرقميون في منصات مثل "X" و"Reddit" هذه الإشارة فورًا، وبدأت التكهنات تسري كالنار في الهشيم: "البنتاجون لا ينام.. شيء ما يحدث الآن"، لتأتي الإجابة مع شروق الشمس.
وفي صبيحة اليوم التالي، أعلنت واشنطن رسميًا عن نجاح عملية عسكرية واستخباراتية خاطفة في فنزويلا، انتهت باعتقال نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية.
واتضح لاحقًا أن تلك "القفزة في الكربوهيدرات بطلبات البيتزا" ليلة السبت كانت الوقود البيولوجي لفرق العمليات الخاصة ومحللي الاستخبارات الذين أداروا عملية الاختطاف المعقدة من غرف التحكم في فرجينيا وفلوريدا.
درس "كاراكاس" كان قاطعًا بأننا في عام 2026، ورغم كل تقنيات التشفير، لا يزال "الجوع" هو العنصر البشري الوحيد الذي لا يمكن تشفيره، وأن الإقبال على طلبات البيتزا لم يكن سوى مؤشر قوي لجنود يتحركون في الظل، وأن نظامًا ما في العالم -سواء في كاراكاس أو غيرها- على وشك السقوط.
واليوم، نحن نرى المؤشرات نفسها تومض من جديد، وعلينا أن نسأل: من التالي إن لم تكن إيران؟

موت "الكرتون" وميلاد "الخوارزمية"
وإذا كان "فرانك ميكس" قد اعتمد في التسعينيات على عينيه المجردتين لإحصاء علب البيتزا الخارجة من أفرانه، فإن مراقبي اليوم لم يعودوا بحاجة للتواجد في شوارع واشنطن الباردة.
ولقد ماتت "البيتزا الكرتونية" كوسيلة تجسس، ووُلدت مكانها "البيتزا الرقمية"؛ وهو مصطلح مجازي يُطلق على الجيل الجديد من أدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) التي تستنطق البيانات الصامتة لتكشف أسرار الدول العظمى.
التحول الجذري حدث بفضل التكنولوجيا التي نحملها جميعًا في جيوبنا. فاليوم، لا يراقب المحللون "البيتزا" بحد ذاتها، بل يراقبون "الأثر الرقمي" الذي يتركه البشر حولها.
الأداة الأخطر هنا هي "بيانات الحركة الحية" من خرائط جوجل وآبل؛ فعندما يتكدس مئات الموظفين فجأة في مبنى البنتاجون ليلًا، تظهر هواتفهم الذكية كنقاط حمراء متوهجة على الخرائط، مشكلةً "ازدحامًا مروريًا" وهميًا في مواقف السيارات والطرق المؤدية لمطاعم الوجبات السريعة القريبة، حتى في الثالثة فجرًا.
هذا هو ما يُعرف بظاهرة "Pizzint" (دمج كلمتي Pizza وIntelligence)، حين تُجري مواقع متخصصة مثل وحسابات تتبع آلي مثل @PenPizzaReport مسحًا آليًا لبيانات "مستويات الإشغال" لمطاعم محددة مثل "Pizzato Pizza" و"Papa John's" في أرلينجتون، فإذا تجاوز المؤشر "الخط البياني المعتاد" بأكثر من انحرافين معياريين، أطلق النظام "إنذارًا أحمر" للعالم.
هذا الأسلوب التقني تجاوز "عقدة الأمن التشغيلي" التي فرضها الجيش الأمريكي. فبينما يستطيع الجنرالات منع جنودهم من "طلب" الطعام من الخارج، لا يمكنهم منع خوارزميات جوجل من رصد "تكدس" الهواتف أو رصد ارتفاع "طلبات البحث" المحلية.
لقد تحول المؤشر من "وشاية" يقدمها عامل توصيل ثرثار، إلى "حقيقة إحصائية" تقدمها البيانات الضخمة. وكما فضحت "" -أجهزة قابلة للارتداء تحدد موقع مرتديها- سابقًا مواقع القواعد العسكرية السرية، تفضح "تطبيقات البيتزا" الآن توقيت الحروب، محولةً رغبة الجندي البسيطة في وجبة ساخنة إلى معلومة استخباراتية قد تنقذ، أو تقتل، الآلاف على بعد آلاف الأميال.

"الأرمادا" و"البيتزا".. لمن الغلبة الليلة؟
وبالعودة إلى اللحظة الراهنة، فجر الثلاثين من يناير 2026، نجد أنفسنا أمام لوحة عمليات شديدة التناقض. فمن الناحية العسكرية التقليدية، يبدو قرار الحرب قد اتُخذ بالفعل؛ فحاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" تقود ما وصفه الرئيس ترامب بـ "الأرمادا الضخمة" نحو مضيق هرمز، في استعراض قوة يهدف لفرض "المرحلة الثانية" من الردع على طهران.
وهذه التحركات البحرية المكشوفة هي رسالة "الردع المرئي" ومفادها: نحن قادمون.
لكن، إذا نظرنا إلى "الردع الرقمي الخفي"، نجد أن "مؤشر البيتزا" يروي قصة موازية أكثر تعقيدًا؛ إذ إن النشاط الذي تم رصده ليلة أمس الخميس في مطاعم أرلينجتون يشي بأن شيئًا ما يجري طبخه، لكنه قد لا يكون بالضرورة "حربًا شاملة" فورية.
لماذا؟
لأن نمط النشاط الحالي، ورغم ارتفاعه، لا يزال أقل حدة من "جنون الطلبات" الذي سبق عملية فنزويلا (3 يناير). وهذا الفارق في "الكثافة" يطرح سيناريو بديلًا: ما يجري داخل البنتاجون الليلة ليس "إدارة حرب"، بل قد يكون "إدارة صفقة".
وهنا يبرز العامل الثالث الحاسم: "قنوات التبريد الدبلوماسية". فبينما يصرخ ترامب بالسفن، ويطلب الجنرالات عشاءهم، تقود الرياض بصمت ومثابرة حراكًا خليجيًا لفك صاعق التفجير، عبر بيانات نفي أي نية للسماح .
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى حراك دبلوماسي سعودي مكثف خلف الكواليس، يستثمر العلاقة القوية مع إدارة ترامب لتقديم "مخرج طوارئ" للأزمة. وهذا الحراك ربما يفسر سر تصريح ترامب الغريب عن "الرغبة في التحدث" وسط قرع طبول الحرب.
نحن إذن أمام معادلة ثلاثية الأبعاد: "أرمادا" تضغط في البحر، و"وساطة" تضغط في الغرف المغلقة، و"بيتزا" ترصد سهر الجميع.
والقراءة التحليلية لهذا المشهد المركب تشير إلى أن واشنطن تمارس أقصى درجات "الضغط الهجين": التلويح بالحرب (السفن) والاستعداد لها (البيتزا)، لإجبار طهران على الجلوس للطاولة (الدبلوماسية) قبل أن تضطر المدافع للإطلاق.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا درسًا قاسيًا: عندما يطلب البنتاجون "البيبروني" بكميات كبيرة، فإن هامش المناورة الدبلوماسية يكون قد ضاق جدًا، وعادة ما تكون "الوجبة التالية" هي بيان الحرب رقم واحد.