
** استمرار الحرب في أوكرانيا يخلّف تداعيات عميقة ومتداخلة على الاقتصاد
** حجم التجارة بين ألمانيا والدول العربية في العام 2024م نحو 57.6 مليار يورو
** الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2025م بلغ 46.2 مليار يورو مسجلا ارتفاعا بنسبة 7.7 %
** تلويح الرئيس ترامب بفرض جمارك جديدة يضر بالاقتصاد بالفعل
أكد السفير عبد العزيز المخلافي ، أن مصر من أكثر أسواق المنطقة جذبًا للاستثمار في المرحلة الحالية، لا سيما في ظل الإصلاحات الاقتصادية التي نُفذت خلال السنوات الماضية وسعي الدولة المستمر إلى تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الشراكة مع المستثمرين الأجانب، ومن بينهم المستثمرون الألمان.
وأضاف السفير عبد العزيز المخلافي في حوار خاص لـ اليوم السابع وهو الحوار الأول له للصحافة المصرية والعربية ، من مقر الغرفة الجديد فى القريب من ميسى برلين أرض المعارض فى العاصمة، إنه من حيث مناخ الاستثمار، تتمتع مصر بعدة مزايا تنافسية مهمة، أبرزها موقعها الجغرافي الاستراتيجي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح نفاذًا ميسرًا إلى أسواق إقليمية كبيرة، إلى جانب سوق محلية ضخمة وقوة عمل شابة ومتزايدة المهارات، كما شهدت البنية التحتية تطورًا ملحوظًا في مجالات النقل والمناطق الصناعية.
ما رؤية الغرفة المستقبلية لدعم العلاقات العربية الألمانية؟
تتمثل رؤية الغرفة في تعزيز الشراكة العربية- الألمانية على أسس أكثر عمقًا واستدامة، بما يتجاوز التبادل التجاري التقليدي إلى تعاون استراتيجي طويل الأمد. وتسعى الغرفة إلى أن تكون منصة للحوار الاقتصادي، تجمع صناع القرار، ورواد الأعمال، والمستثمرين من الجانبين، وتدعم بناء شراكات نوعية في القطاعات ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، تركز الغرفة على دعم الاستثمارات المتبادلة، ولا سيما في مجالات الصناعة المتقدمة، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والرعاية الصحية، والتعليم والتدريب المهني. كما تولي أهمية خاصة لتنمية الكفاءات البشرية ونقل المعرفة، باعتبارهما عنصرين أساسيين لتعزيز التنافسية وخلق قيمة مضافة مشتركة.
إلى جانب ذلك، تعمل الغرفة على مرافقة الشركات العربية والألمانية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، في دخول أسواق جديدة، وتذليل العقبات التنظيمية، وتوفير المعلومات والدراسات الاقتصادية، إضافة إلى تنظيم الملتقيات ورحلات الوفود الاقتصادية المتبادلة بين ألمانيا والعالم العربي.
وتهدف الغرفة من خلال هذه الرؤية إلى الإسهام في بناء علاقات اقتصادية عربية-ألمانية متوازنة وقادرة على مواكبة التحديات العالمية، وتعزيز الاستقرار والنمو المشترك، بما يخدم مصالح الطرفين على المدى الطويل.
ما أبرز مساهمات الغرفة في جذب الاستثمارات وزيادة التبادل التجاري بين الطرفين؟
تتمثل أبرز مساهمات الغرفة في جذب الاستثمارات وتعزيز التبادل التجاري بين الجانبين في دورها كجسر مؤسسي فعّال يربط بين ، حيث تعمل على تسهيل التواصل وبناء الشراكات من خلال ربط الشركات والمستثمرين وتنظيم لقاءات أعمال ومنتديات اقتصادية وبعثات تجارية تسهم في إقامة علاقات استراتيجية طويلة الأمد.
كما توفر الغرفة معلومات دقيقة واستشارات متخصصة حول فرص الاستثمار والأطر القانونية والبيئة الاقتصادية في كل من الدول العربية وألمانيا، بما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات مدروسة والحد من المخاطر.
وتضطلع بدور مهم في دعم دخول الأسواق، ولا سيما للشركات الصغيرة والمتوسطة، عبر خدمات الإرشاد والتعريف بالشركاء المحتملين والمساندة في إجراءات التأسيس والتوسع. وإلى جانب ذلك، تسهم الغرفة في الترويج للاستثمار والتجارة من خلال إبراز مزايا الأسواق العربية والألمانية والتعريف بالمشروعات الواعدة، الأمر الذي يعزز تدفق الاستثمارات المتبادلة ويرفع حجم التبادل التجاري.
كما تمثل مصالح مجتمع الأعمال في الحوار المؤسسي مع الجهات الرسمية، وتدعم صياغة سياسات اقتصادية أكثر ملاءمة من خلال الإسهام في تحسين الأطر التنظيمية، وبفضل هذه الأدوار المتكاملة تسهم الغرفة بشكل ملموس في تعميق التعاون الاقتصادي وتعزيز النمو المستدام في العلاقات العربية الألمانية. ويعد الملتقى الاقتصادي العربي الألماني الذي سينعقد للمرة التاسعة والعشرين في شهر يونيو القادم، الإطار المناسب للشراكات والاستثمارات المشتركة. حيث يعد المنصة الرئيسية للتعاون العربي الألماني وينعقد سنوياً بالتعاون مع شركاء استراتيجيين من الدول العربية وألمانيا وبالتعاون مع وزارة الاقتصاد والطاقة في ألمانيا.
هل تواجه الغرفة تحديات لأداء رسالتها؟ وكيف تقيم دورها الفترة الماضية؟
مجتمع الأعمال عادة ما يكون مرتبطاً، بطبيعة الحال، بعدد من التحديات في أداء عملها، شأنها شأن أي مؤسسة تعمل في بيئة دولية متغيرة ومعقدة. من أبرز هذه التحديات تباين الأطر القانونية والتنظيمية بين الدول العربية وألمانيا، واختلاف الأولويات الاقتصادية من بلد إلى آخر، إضافة إلى التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية التي تؤثر أحياناً في قرارات الاستثمار وحركة التجارة.
كما يبرز تحدي تسريع التحول الرقمي ومواكبة متطلبات الاستدامة والمعايير البيئية الجديدة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى تعزيز الثقة وتبادل المعلومات الدقيقة بين مجتمعي الأعمال العربي والألماني، خصوصاً لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ورغم هذه التحديات، يمكن تقييم دور الغرفة في الفترة الماضية بأنه دور إيجابي وفعّال. فقد نجحت في الحفاظ على قنوات الحوار الاقتصادي مفتوحة، وتعزيز التواصل بين الشركات والمؤسسات، وتنظيم فعاليات اقتصادية نوعية أسهمت في التعريف بفرص الاستثمار والتعاون المشترك. كما لعبت دوراً مهماً في دعم الشركات خلال فترات عدم اليقين، من خلال تقديم المشورة والمعلومات ومواكبة المستجدات الاقتصادية.
وبصورة عامة، أثبتت الغرفة قدرتها على التكيف مع التحديات، والاستمرار في أداء رسالتها كجسر موثوق بين العالم العربي وألمانيا، مع وجود فرص إضافية لتعزيز هذا الدور مستقبلاً عبر توسيع الشراكات، وتكثيف العمل على الابتكار والاستدامة وتنمية رأس المال البشري.
مصر على وجه الخصوص كيف ترى مناخ الاستثمار فيها، وأبرز القطاعات التي يمكن جذبها من ألمانيا؟
تُعدّ مصر من أكثر أسواق المنطقة جذبًا للاستثمار في المرحلة الحالية، ولا سيما في ظل الإصلاحات الاقتصادية التي نُفذت خلال السنوات الماضية وسعي الدولة المستمر إلى تحسين بيئة الأعمال وتعزيز الشراكة مع المستثمرين الأجانب، ومن بينهم المستثمرون الألمان. فمن حيث مناخ الاستثمار، تتمتع مصر بعدة مزايا تنافسية مهمة، أبرزها موقعها الجغرافي الاستراتيجي كبوابة بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح نفاذًا ميسرًا إلى أسواق إقليمية كبيرة، إلى جانب سوق محلية ضخمة وقوة عمل شابة ومتزايدة المهارات.
كما شهدت البنية التحتية تطورًا ملحوظًا في مجالات النقل والمناطق الصناعية، وهو ما يعزز جاذبية الاستثمارات طويلة الأجل. وعلى صعيد القطاعات التي يمكن جذبها من ألمانيا بشكل خاص، تبرز مجالات واعدة في مقدمتها الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، حيث تمتلك مصر إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتُعد شريكًا طبيعيًا لألمانيا في مشاريع التحول الطاقي، إلى جانب قطاع الصناعة والتصنيع المتقدم، خاصة في مجالات الماكينات ومكونات السيارات والصناعات الهندسية، مع فرص حقيقية لتوطين أجزاء من سلاسل القيمة الألمانية في مصر. كما يشكل قطاع الخدمات اللوجستية والموانئ مجالًا مهمًا للاستثمار، مستفيدًا من موقع قناة السويس والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها بما يخدم حركة التجارة بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، إضافة إلى التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي، حيث تمتلك مصر كفاءات بشرية تنافسية.
ويبرز كذلك القطاع الصحي والصناعات الدوائية، بما في ذلك تصنيع الأجهزة الطبية ونقل الخبرات الألمانية في مجالات الرعاية الصحية، فضلًا عن التدريب المهني والتعليم التقني، وهو مجال تتمتع فيه ألمانيا بخبرة رائدة ويمكن أن يشكل أساسًا لشراكات مستدامة تخدم سوق العمل المحلي والإقليمي. وبصورة عامة، تمثل مصر شريكًا استراتيجيًا واعدًا للاقتصاد الألماني، ليس فقط كسوق استهلاكية، بل كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير، ويُعد تعزيز التعاون المؤسسي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية مفتاحًا رئيسيًا لنجاح الاستثمارات الألمانية في مصر على المدى الطويل.
هل يمكن نقل شركات ألمانية أو تدشين مصانع لها في مصر حال تقديم حوافز لها؟
نعم، من الممكن إلى حد كبير جذب شركات ألمانية أو تدشين صناعات لها في مصر في حال توفير حزمة واضحة وجاذبة من الحوافز، وهو خيار بات يحظى باهتمام متزايد لدى العديد من الشركات الألمانية في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فعدد كبير من الشركات الألمانية، ولا سيما الشركات المتوسطة، يبحث حاليًا عن مواقع إنتاج بديلة أو مكملة قريبة من أوروبا بهدف خفض التكاليف، وتنويع سلاسل التوريد، وتقليل المخاطر الجيوسياسية، وتبرز مصر في هذا السياق كخيار عملي وتنافسي.
ولا تقتصر الحوافز المطلوبة على الجوانب المالية فحسب، بل تشمل بالأساس الاستقرار الضريبي والجمركي على المدى الطويل، وتسهيل إجراءات التراخيص وتخصيص الأراضي الصناعية، وتوفير الطاقة بأسعار تنافسية، إضافة إلى بنية تحتية صناعية ولوجستية متكاملة، وإطار قانوني واضح يضمن حماية الاستثمارات، إلى جانب برامج فعالة للتدريب المهني وربط التعليم باحتياجات سوق العمل. وعند توافر هذه العناصر، تصبح مصر بيئة جاذبة ليس فقط لنقل خطوط إنتاج، بل أيضًا لتأسيس صناعات جديدة قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية وخدمة أسواق التصدير في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وتبرز عدة قطاعات باعتبارها الأكثر قابلية لانتقال أو توسع الشركات الألمانية في مصر، من بينها صناعة مكونات السيارات والصناعات المغذية لها، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، إضافة إلى مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية والطبية، والصناعات كثيفة العمالة ذات القيمة المضافة. وفي هذا الإطار، تضطلع الغرفة بدور محوري في ربط الشركات الألمانية بالفرص الاستثمارية المتاحة في مصر، وشرح الحوافز القائمة، وتذليل العقبات الإدارية، وتعزيز الثقة بين المستثمرين والجهات الرسمية، بما يجعل تدشين صناعات ألمانية في مصر خيارًا واقعيًا وقابلًا للتوسع، شريطة اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الحوافز الاقتصادية والاستقرار التشريعي وتنمية رأس المال البشري، بما يحقق مصلحة مشتركة ومستدامة للطرفين.
كيف تقيم الآن الاقتصاد الألماني وما يشهده من تراجع في النمو وتزايد مخاطر الركود؟
يمكن تقييم وضع الاقتصاد الألماني الحالي بوصفه مرحلة تباطؤ واضحة أكثر من كونه أزمة هيكلية حادة. فالركود الذي شهدة الاقتصاد الألماني خلال عامي 2023م و2024م والنمو المحدود في العام 2025م،يعكس مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ضعف الطلب العالمي، وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، واستمرار تأثيرات التضخم وتشديد السياسات النقدية، إضافة إلى التحديات الجيوسياسية التي أثّرت في سلاسل الإمداد وثقة المستثمرين.
كما يواجه الاقتصاد الألماني ضغوطاً داخلية، مثل نقص العمالة الماهرة وشيخوخة المجتمع، وتباطؤ الاستثمارات الخاصة، وتأخر بعض مشاريع التحول الرقمي والبنية التحتية. هذه العوامل مجتمعة حدّت من زخم النمو، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تُعدّ تقليدياً محرك الاقتصاد الألماني.
في المقابل، ما يزال الاقتصاد الألماني يتمتع بأسس قوية، تشمل قاعدة صناعية متقدمة، وقدرة تصديرية عالية، ومؤسسات مستقرة، إلى جانب توجه متزايد نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والابتكار. ومن المتوقع أن يسهم أي تحسن في الأوضاع العالمية، إلى جانب إجراءات تحفيزية واستثمارات استراتيجية من خلال صندوق البنية التحتية وحماية المناخ والذي تبلغ قيمته 500 مليار يورو، في إعادة الاقتصاد إلى مسار نمو تدريجي خلال الفترة المقبلة.
وبشكل عام، يمكن القول إن التراجع الحالي يمثل إشارة إنذار تستدعي إصلاحات هيكلية وتسريع الاستثمارات، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن الاقتصاد الألماني لا يزال أقوى الاقتصادات في أوروبا، وقادراً على التعافي على المديين المتوسط والطويل.
هل سحبت الصين البساط من ألمانيا صناعيا؟
لا يمكن القول إن الصين سحبت البساط من ألمانيا صناعيًا بشكل كامل، لكن من الواضح أنها أصبحت منافسًا صناعيًا قويًا ومباشرًا في عدد متزايد من القطاعات التي كانت ألمانيا تتفوق فيها تقليديًا.
الصين انتقلت خلال السنوات الماضية من دور مصنع العالم منخفض التكلفة إلى قوة صناعية عالية التقنية، خصوصًا في مجالات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة والآلات الذكية. هذا التطور السريع، المدعوم باستثمارات ضخمة ودعم حكومي واسع، وضع الصناعة الألمانية تحت ضغط تنافسي غير مسبوق، سواء في الأسواق العالمية أو حتى داخل السوق الأوروبية.
في المقابل، ما تزال ألمانيا تحتفظ بمزايا صناعية مهمة، أبرزها الجودة العالية، والابتكار الهندسي، والصناعات المتخصصة ذات القيمة المضافة المرتفعة، إضافة إلى سمعتها العالمية في مجالات مثل صناعة المعدات والآلات والصناعات الكيماوية والتقنيات الصناعية المتقدمة. إلا أن هذه المزايا لم تعد كافية وحدها في ظل التحولات السريعة في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام ألمانيا ليس فقدان القاعدة الصناعية، بل في ارتفاع تكلفة الإنتاج من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واجور العمال الى جانب مستوى الضريبة المرتفع، بالإضافة الى ذلك تواجه ألمانيا ايضاً تحدي في مجال سرعة التكيّف مع التحولات العالمية، خاصة في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتحول إلى الاقتصاد الأخضر. وإذا نجحت ألمانيا في تسريع الابتكار وتحديث سياساتها الصناعية والاستثمارية، فستظل لاعبًا صناعيًا رئيسيًا، وإن كان في عالم أكثر تنافسية تقوده قوى جديدة، وفي مقدمتها الصين.
ما تداعيات استمرار الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد الألماني؟
استمرار الحرب في أوكرانيا يخلّف تداعيات عميقة ومتداخلة على الاقتصاد الألماني، تمتد من قطاع الطاقة إلى الصناعة والاستثمار والنمو الاقتصادي بصورة عامة، إذ شكّل فقدان الغاز الروسي منخفض التكلفة نقطة تحوّل هيكلية أدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة على الشركات والأسر، رغم نجاح ألمانيا جزئيًا في تنويع مصادر الإمداد، الأمر الذي أضعف القدرة التنافسية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن.
وفي الوقت نفسه، أدت حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى تردد العديد من الشركات في ضخ استثمارات جديدة أو إلى تحويل جزء منها خارج ألمانيا، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على استقرار طويل الأمد في التكاليف وسلاسل الإمداد، وهو ما زاد من الضغوط على الشركات المتوسطة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. كما انعكس ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام على مستويات التضخم، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين وتراجع الاستهلاك الداخلي، وهو عنصر أساسي في دعم النمو. وعلى صعيد المالية العامة، فرضت زيادة الإنفاق على الدفاع ودعم الطاقة واستقبال اللاجئين الأوكرانيين أعباء إضافية على الموازنة، وقلّصت هامش المناورة المالية للحكومة في مجالات أخرى مثل الاستثمار في البنية التحتية والابتكار.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من فرص محتملة، إذ ساهمت الحرب في تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتعزيز توجه أوروبا نحو قدر أكبر من الاستقلالية في سلاسل الإمداد، وهي تحولات يمكن أن تدعم متانة الاقتصاد الألماني على المدى المتوسط إذا ما اقترنت بسياسات استثمارية واضحة وإصلاحات هيكلية فعّالة.
وهل تلويح الرئيس ترامب بفرض جمارك جديدة يضر بالاقتصاد؟
نعم، التلويح بفرض جمارك جديدة يضر بالاقتصاد بالفعل، حتى قبل تطبيقها فعليًا، وتزداد آثارها سلبًا على اقتصاد يعتمد على التصدير مثل الاقتصاد الألماني. أن أول تأثيرات فرض رسوم جمركية جديدة هو في التسبب في حالة عدم اليقين حتى ان مجرد التهديد بفرض رسوم جمركية يربك الأسواق ويجعل الشركات أكثر حذرًا في قرارات الاستثمار والتوسع، لأن التخطيط يصبح صعبًا في ظل سياسات تجارية غير متوقعة.
أيضا يتسبب ذلك في ضرب الصادرات وسلاسل الإمداد فالولايات المتحدة تُعد من أهم الشركاء التجاريين لألمانيا، وفرض جمارك على السيارات أو الآلات أو المنتجات الصناعية سيؤدي إلى تراجع الصادرات الألمانية بسبب ارتفاع التكاليف واختلال سلاسل التوريد العابرة للحدود. كما ان فرض أي رسوم جمركية جديدة يؤدي الى ارتفاع الأسعار على المستهلكين فالرسوم الجمركية لا يدفعها المنتجون وحدهم، بل تنتقل جزئيًا إلى المستهلك النهائي، ما يعني زيادة الأسعار وتراجع الطلب سواء في السوق الأمريكية أو الأوروبية. يضاف الى ذلك خطر التصعيد التجاري حيث ان السياسات الحمائية غالبًا ما تؤدي إلى إجراءات مضادة، وهو ما يفتح الباب أمام نزاعات تجارية أوسع تضر بالنمو العالمي وتضغط على الاقتصاد الأوروبي ككل.
الاقتصاد العالمي إلي أين في ظل الاهتمام الكبيربملف المناخ والبيئة والحرص على صناعة نظيفة؟
يتجه الاقتصاد العالمي اليوم نحو مرحلة تحول هيكلي عميق، تقوده اعتبارات المناخ وحماية البيئة والانتقال إلى نموذج نمو أكثر استدامة. ولم يعد ملف المناخ عاملًا هامشيًا أو أخلاقيًا فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في صنع القرار الاقتصادي والاستثماري، يؤثر بشكل مباشر في السياسات الصناعية، وتدفقات رؤوس الأموال، وسلاسل التوريد، والتجارة الدولية.فالاقتصادات الكبرى باتت تضخ استثمارات ضخمة في التحول الطاقي والتكنولوجيا النظيفة وكفاءة استخدام الموارد، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للنمو في قطاعات مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتنقل الكهربائي، والاقتصاد الدائري والتقنيات الرقمية الداعمة للاستدامة. وفي المقابل، ستواجه الصناعات كثيفة الانبعاثات ضغوطًا متزايدة نتيجة التشريعات البيئية الصارمة، وفرض تسعير للكربون، ومعايير الاستيراد المرتبطة بالبصمة البيئية، ما سيدفع الشركات إلى إعادة هيكلة عملياتها أو نقل أجزاء من إنتاجها إلى مواقع أكثر كفاءة واستدامة.
وفي هذا السياق، نشهد إعادة رسم لخريطة الاستثمار العالمي، حيث يتجه رأس المال نحو الدول والأسواق القادرة على الجمع بين التصنيع والتكنولوجيا النظيفة، وتوفير طاقة مستدامة وبنية تحتية حديثة وأطر تنظيمية واضحة. كما أن التحول نحو صناعة نظيفة يعزز الابتكار ويرفع الإنتاجية على المدى المتوسط والطويل، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات قصيرة الأجل، أبرزها ارتفاع تكاليف التحول، والحاجة إلى تأهيل القوى العاملة، وضمان عدالة هذا الانتقال اقتصاديًا واجتماعيًا.
وعلى المستوى الدولي، سيزداد التنافس بين الدول ليس فقط على جذب الاستثمارات، بل على امتلاك التقنيات الخضراء وسلاسل قيمها، وهو ما يجعل التعاون العابر للحدود، ونقل التكنولوجيا، وبناء الشراكات بين الشمال والجنوب، عنصرًا حاسمًا في نجاح هذا التحول. ويمكن القول إن الاقتصاد العالمي يتجه نحو نموذج يقوم على الاستدامة والابتكار والكفاءة، حيث ستكون القدرة على التكيف مع متطلبات المناخ والبيئة شرطًا أساسيًا للنمو والقدرة التنافسية، وليس عبئًا يحد من التنمية كما كان يُعتقد في السابق.
ما مؤشرات الميزان التجاري بين ألمانيا والدول العربية؟
تشير مؤشرات الميزان التجاري بين ألمانيا والدول العربية إلى علاقة اقتصادية متنامية، لكنها غير متوازنة إلى حد ما، حيث تتميز الصادرات الألمانية إلى الدول العربية بالقوة، في حين تختلف واردات ألمانيا من المنطقة حسب الموارد والسلع الأساسية. فخلال السنوات الأخيرة، سجلت ألمانيا فائضًا تجاريًا مع أغلب الدول العربية، ويأتي ذلك بشكل رئيسي من صادراتها الصناعية عالية التقنية، مثل السيارات والمعدات والآلات والأجهزة الكهربائية، إضافة إلى المنتجات الكيماوية والأدوية.
أما الواردات من الدول العربية فتتركز غالبًا على المواد الخام مثل النفط والغاز، وبعض المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية. وبحسب البيانات الاقتصادية الأخيرة، فقد بلغ حجم التجارة بين ألمانيا والدول العربية في العام 2024م نحو 57.6 مليار يورو وبلغ خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر 2025م ما قيمته 46.2 مليار يورو مسجلا ارتفاعا بنسبة 7.7 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024م. مع نمو مستمر في الاستثمارات المشتركة، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية.
كما تشير المؤشرات إلى أن الدول العربية التي تعتمد على النفط والغاز تسهم بنحو كبير في الصادرات لألمانيا، بينما الأسواق الكبيرة مثل الإمارات والسعودية ومصر تستقبل كميات أكبر من المنتجات الصناعية الألمانية. ويعكس هذا الفائض التجاري الألماني القدرة الصناعية العالية لألمانيا وتزايد الطلب العربي على المنتجات الألمانية عالية الجودة، مع الحاجة المستمرة لتعزيز التوازن التجاري من خلال مشاريع استثمارية مشتركة وتنمية القطاعات الإنتاجية في العالم العربي.
