مصراوي

2026-02-02 19:15

متابعة
حروب أمريكا التي تأبى أن تموت

منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، والعالم لم يعرف هدوءًا حقيقيًا. صديقي العزيز، ربما كنت تظن أن السلام سيصبح القاعدة بعد كل هذه الدماء، لكن الولايات المتحدة كانت لها خطط أخرى. لم تكن أمريكا تسعى فقط للنصر في الحروب، بل رغبت في إبقاء هذه الحروب حيّة، تتجدد بأسماء جديدة وشعارات براقة، وكأنها لعبة كبرى تتحكم فيها وحدها.

يا صديقي، اكتشفت واشنطن أن السيطرة لا تأتي بالاقتصاد والتكنولوجيا وحدهما، بل أيضًا بصناعة الخوف. كل حرب، من كوريا إلى فيتنام، ومن بغداد إلى كابول، كانت تُدار كما يُدار فيلم ضخم الإنتاج، بطل واحد وأمم أخرى كومبارس، والسيناريو جاهز، تتغير الأسماء لكن النهاية واحدة، أمريكا في المنتصف، وبقية العالم في دوائر اللهب. لقد لاحظت، صديقي، أن هذه الاستراتيجية ليست صدفة، بل هي خطة مدروسة لعقود طويلة، إذ تخلق الولايات المتحدة عدوًا دائمًا، يعيد إنتاج الحاجة المستمرة للسلاح، ويكسبها السيطرة على الساحة الدولية بشكل مستمر.

بعد أحداث 11 سبتمبر، صديقي العزيز، تحولت هذه اللحظة إلى مفصل حاسم في السيناريو الأمريكي. الهجمات التي هزت رموز القوة الأمريكية منحت واشنطن التفويض الأخلاقي لإطلاق «حروبها الأبدية». من أفغانستان، التي رُوِّج لها كقصة عدالة كونية، إلى العراق، الذي غُلِّف بكذبة أسلحة الدمار الشامل، كانت الولايات المتحدة تُعيد تشكيل العالم على مقاسها، ليس لإرساء الديمقراطية، بل لتأكيد أن النار هي لغتها الأم حين تفقد السيطرة. لقد كان لكل خطوة عسكرية أو سياسية معنى مزدوج، رسالة للجمهور الأمريكي بأن الأمن لا يتحقق إلا ببقائها كحاكم العالم، ورسالة للعالم الخارجي بأن المقاومة مكلفة ومهددة.

وفي كل حرب، صديقي، كانت واشنطن تصنع عدوًا جديدًا. الشيوعية أولًا، ثم الإرهاب، واليوم الصين وروسيا. المبدأ لم يتغير: وجود خطر دائم يبرر السلاح ويغذي الصناعة ويبقي الرأي العام في حالة تعبئة مستمرة. الحرب بالنسبة للولايات المتحدة ليست وسيلة دفاع، بل آلية وجود، مشروع اقتصادي وسياسي ضخم يدور حوله العالم. وكل حرب، مهما بدت بعيدة، كانت مرتبطة بتوازنات القوة والسيطرة على الموارد، وليس فقط بمبررات العدل أو حماية الحقوق كما تُروَّج.

مع مرور الزمن، لم تعد أمريكا بحاجة إلى ميادين القتال وحدها. صديقي العزيز، أصبحت الحرب فكرة تُدار بالإعلام والمعلومات والاقتصاد. «الحرب الباردة» التي عادت بثوب جديد ليست سوى استمرار للنزعة القديمة التي تغذيها واشنطن: تدين العنف علنًا وتغذيه سرًّا، تنادي بالسلام وتصدر السلاح في الوقت ذاته. هذه الازدواجية جعلت العالم يعيش في قلق دائم من «سلام أمريكي» لا يعرف الطمأنينة. وكل تقرير صحفي، وكل حملة إعلامية، كانت جزءًا من هذه الاستراتيجية الذكية، التي تجعل الجمهور الدولي والوطني يصدق ما يريدون له أن يصدق.

ويجب أن أضيف، صديقي، أن هذا الأسلوب يشبه إلى حد كبير ما يُعرف اليوم بتحسين محركات البحث SEO، إذ إن الولايات المتحدة «تسوّق» لرواياتها كما تسوّق الشركات لمنتجاتها الرقمية. كل خبر، وكل تقرير، وكل تحليل يُعاد صياغته وتوزيعه على القنوات المختلفة، ليصل إلى أكبر عدد ممكن من العقول ويخلق الرأي العام المطلوب. هذه هي الحرب المعاصرة: ليست فقط بالبندقية والدبابات، بل بالكلمة والصورة، بالسيطرة على المعلومات، وبالتأثير النفسي على كل من حولها.

لكن، صديقي، السؤال الحقيقي: هل تستطيع أمريكا إنهاء الحروب التي أشعلتها؟ الواقع يقول لا. بقاؤها كقوة عظمى مرتبط بإبقاء الآخرين في دائرة الصراع. كل حرب جديدة تضمن لها سوقًا جديدة، وكل انهيار في الشرق الأوسط أو شرق آسيا يعني فرصة أخرى للهيمنة تحت شعار «إعادة البناء». الحروب التي تشنها الولايات المتحدة لم تعد تُطفأ بانتهاء المعارك، بل تُعاد تدويرها في ملفات السياسة والإعلام. وحتى حين تخسر عسكريًا، تكسب استراتيجيًا، لأن العالم يظل يدور في مدارها. إنها حروب لا تهدف إلى نصر نهائي، بل إلى استمرار أبدي، كأن واشنطن تخاف من السلام أكثر مما تخاف من الهزيمة.

في النهاية، صديقي العزيز، يبدو أن أمريكا لم تعد تحارب لتفوز، بل لتتأكد أن العالم لن يعرف راحة بدونها. حروبها الطويلة ليست مجرد نيران في الجغرافيا، بل وقود وجودها السياسي والاقتصادي. إنها الحروب التي لا تموت، لأن من يشعلها لا يريد أن يعيش يومًا بلا دخان.

أخبار ذات صلة

  • وهم الشعب المختار

  • ترامب يساوم بالنفط ويزرع الخراب

  • اليهودية التي خانت الله

  • حين يُغلق الإعلام عينيه عن فلسطين

للإطلاع على النص الأصلي
40
0
مشاركة
حفظ

آخر الأخبار

أحدث الأخبار

    أحدث الفيديوهات