مصراوي

2026-02-02 19:15

متابعة
قسوة العالم.. في «الغسق»

منذ الصفحات الأولى لروايته المهيبة «الغسق» (تنمية، 2026)، يُحقق الكاتب الفرنسي فيليب كلوديل إنجازًا فريدًا؛ إذ ينقلنا إلى عالم مألوف، ولكنه غريب في آنٍ واحد، كعودة مفاجئة لحلمٍ مُؤرق، أو ربما ذلك الكابوس الذي لا يستيقظ منه المرء أبدًا، كما وصفه جيمس جويس للتاريخ. ينتمي عالمه بلا شك إلى أدب أوروبا الشرقية، في أوروبا البلقانية تقريبًا، في مخيلة أوروبا الوسطى الشتوية، حيث حطمت الحروبُ الحدودَ مرارًا، وحيث يتأرجح السرد بسلاسة بين السخرية والتنبؤ.

في العمل الذي ترجمه بسلاسة عن الفرنسية لطفي السيد منصور، يُؤطر الروائي قصته على هامش «إمبراطورية» مجهولة الاسم، في أوائل القرن العشرين، داخل أسوار ومناظر بلدة صغيرة ضائعة على حافة العالم الثلجية، حيث يُعرف سكانها في المقام الأول بوظائفهم، ومن بينهم الطبيب، وصاحب النزل، والعمدة، ومقرر الإدارة الإمبراطورية، وغيرهم. تُشكّل هذه النماذج النمطية، ذات الطابع الذكوري البحت، صورةً مُرعبةً لعالمٍ بغيضٍ للغاية، تكشف عيوبه عن طريق خبرٍ دموي: يُعثر على راعي الكنيسة، الأب بيرنيج، مقتولًا بحجرٍ هشَّم جمجمته في زقاق خلفي. اكتشف الطفل دوري وشقيقته الكبرى ليميا الجثة أثناء خروجهما لجلب الحليب في وقت الغسق، لتتحول لحظةٌ عابرة من الحياة اليومية إلى شرارة تشعل الخوف والشك في البلدة بأكملها.

نحن إزاء أقدار، مُحمّلة بالكثير من القسوة، وروائح الأمكنة، ودقة النبرة: الحزينة تارةً والمضحكة تارةً أخرى، وهذا كله مكتوبٌ بأسلوب كلوديل الهادئ السلس، الذي يوقظ فينا كل ما هو إنساني وجميل. على الرغم من أن رواية «الغسق» ذات طابع عالمي إلى حدٍ ما، مع طمس معالم الزمان والمكان، فإنها تستلهم أحداثها من الاضطرابات السياسية والاجتماعية الكبرى التي شهدها العالم في القرن العشرين.

وعبر 354 صفحة من القطع المتوسط، نتابع ما يجري في مطلع القرن الماضي، في بلدة حدودية نائية تُعرف باسم «المقاطعة المفقودة»، حيث يتولى التحقيق النقيب نوريو، القادم من خارج البلدة، رجل مثقل بأسئلته الداخلية بقدر ما هو مثقل بالقضية نفسها. يرافقه المعاون باراج، الضخم الصامت، الذي يعرف جغرافيا المكان وسكانه أكثر مما يعرفهم أي أحد. يسعى النقيب والمعاون، وهما ثنائي متناقض تمامًا، إلى كشف خيوط هذه الأحداث، لكن في سعيهما لن يجدا سوى ظلال – يتغذى عليها كبار الشخصيات المحلية – تدّعي التنوير؛ إذ لا يبدو أن أحدًا يُقدّر الحقيقة الجوهرية، باستثناء النسخة المصطنعة التي تُناسب الجميع.

في مستهل الرواية، نقرأ:

«كان المعاون، الذي ينسجم مع اسمه العتيق (باراج)، يبدو مُربكًا للغاية بسبب حجمه الكبير، لا سيما رأسه الضخم المغطى بشعر مجعد قصير، يلقي في صمت نظراتٍ قلقة بعينيه الصفراوين تجاه رئيسه، الشرطي، الذي جثا للتو بجانب الجثة، ومن حولهما خيَّم ليلُ الشتاء، قارس البرد والمطلي بالحبر» (ص 6).

باراج هذا «لم يكن يعرف قط أيضًا ماذا يفعل بيديه السميكتين، والعريضتين، والمليئتين بالأكزيما، والمتورمتين. وبسبب خجله الأخرق وضخامة جسمه، بدا المعاون شبيهًا بثورٍ أو حصان حرث، كل ما يحتاج إليه هو الوتد الذي سيُربط به لبقية حياته، والبلطة التي ستقضي عليه» (ص 9). الطريف أنه «عندما يتحدَّث إلى الشرطي يقول سيدي، وفي حالات نادرة يقول حضرة النقيب، وكان من المضحك أن نرى هذا الحيوان المجتر الضخم يقول سيدي للشيء الصغير العصبي وسيئ المظهر، وهو الشرطي» (ص 9).

في المقابل، نرى أن النقيب نوريو «متوسط القامة، ذو وجه زيتوني، ومتغضن تمامًا، ويرتدي زيًا عسكريًا غير معروف لأي جيش ينتمي، والذي مع مرور السنوات والبِلى أصبح أشبه بزي صيد» (ص 6-7)، و«عندما ظهر لأول مرة، فوجئ الناس بملابسه التي تليق بشخصٍ في سيرك متجول» (ص 7)، و«كانت بشرته الداكنة تعطي انطباعًا دائمًا بأنه يعاني مرضًا في الكبد، وكان شاربه الرفيع الأسود كالفحم الذي يحيط بشفته العليا يزيد من الشعور بالقلق والتراجيديا الذي ينبعث منه» (ص 7).

نقرأ أيضًا عن نوريو وقصة طلبه تعيين مساعد له: «الحقيقة أن منصب المرؤوس جعله يشعر بأنه الرئيس، وأن هذا التنظيم الهرمي، وإن كان محدودًا جدًا في العدد، منحه الرضا وأشبع كبرياءه» (ص 120).

أما صانع القباقيب، باكمور، فهو يخاطب نوريو قائلًا: «إن لم تكن الشيطان، فأنت تشبهه!» (ص 127).

«كل لغز له طعم الفلفل الحار، وكان نوريو مولعًا بالتوابل. أثارته الجريمة، وأحس بالدم يتدفق في جسده مرة أخرى ونار متأججة في ألف موضع. استنشق شعر زوجته المسدول، مستمتعًا بلونه الأشقر. إنها رائحة مزعجة من الحياة والنوم والعرق» (ص 19).

يحقق الرجلان في الجريمة بعد اكتشاف جثة راعي الكنيسة، «وكانت المسافة بين منزل ميلاده ومكان وفاته أربعين خطوة فقط» (ص 10). «لقد قُتِلَ القس. ولم يرغب نوريو في أن يُظهِر لمعاونه مدى خطورة هذه الجريمة، ومدى اختلافها عن الجرائم الأخرى التي تعاملا معها في الماضي. لم يرغب الشرطي في إظهار أي شيء لمرؤوسه؛ لأنه كان يعتبر أنه من غير الجيد أبدًا أن يدرك من هم في الرتب الدنيا أن من يقودونهم قد يكونون مضطربين وضعفاء» (ص 21).

جريمة قتل راعي الكنيسة، الأب بيرنيج، تُشعل نار الفتنة. وسرعان ما يبدأ أولئك الذين ربما كانوا ينتظرون هذا الحدث في تأجيج النيران. سيُحرَق المسجد الصغير، وستُغرى العائلات المسلمة القليلة بالفرار إلى المنفى، إلى «الأرض التي رفعت رايتها الهلال الذهبي».

قاتل طليق، بلدة على حافة الهاوية، والظلال تطول. «كنا نقترب من حافة الهاوية، هذا أمرٌ مؤكد، لكن أيّ هاوية؟» هذا هو السؤال الذي يتردد صداه في رواية «الغسق»، رواية فيليب كلوديل الغنية بالأجواء والتناقضات، وهي حكاية قاسية آسرة، مكتوبة بأسلوب سلس وجذاب.

كُلِّف نوريو ومساعده بالتحقيق في القضية. لكن الحقيقة، التي هي مجرد قناعة، يجب أن تُرضي أصحاب السلطة، وسيتعين على نوريو، الذي كان يحلم بالهروب من الملل بتحقيق كبير يُؤهله للترقية، أن يرضى بذلك.

في هذه الأرض الباردة الضبابية، سيُخضع الشرطي، أداة الظلام رغمًا عنه، تدريجيًا لحقيقة غريبة «فعّالة». «لقد توصلت إلى قناعة بأن ما يطلبه ويقبله أغلب الناس هو الحقيقة».

لا شيء يثير استياء العمدة، أو كاتب العدل، أو مقرر الإدارة الإمبراطورية، الذين لا يتعجلون في كشف ملابسات الجرائم. مع تقدُّم التحقيق، تلفت ليميا، ابنة صانع القباقيب الخشبية «شبه اليافعة»، انتباه الشرطي المهووس بغرائزه.

تبدو الفتاة الصغيرة التي تجد نفسها في قلب الأحداث، شاهدة على ما لا يريد الكبار الاعتراف به.

على مدى ثلاثة أشهر، ستبدأ واجهة البلدة الصغيرة الهادئة ظاهريًا بالتصدع. يعم شعورٌ غريب بالقلق، ويعيش السكان في حالة ترقب، ويملأ تهديدٌ غامض لا شكل له ولا اسم، كغاز عديم الرائحة، المكان بأكمله.

من مجموعة الشخصيات في الرواية، تبرز شخصيتان لافتتان: ضابط الشرطة نوريو والمعاون باراج، مستوحيان من ثنائيات سينمائية كلاسيكية متناقضة. نوريو، رغم سلطته المحدودة، غارق في شهوة جنسية جامحة، تقترب أحيانًا من البيدوفيليا، مجسِّدًا بذلك الكثير من أصحاب الشأن الذين ينزلقون في هذا الجانب، متجاهلين تمامًا واجباتهم الأخلاقية.

«تذكّر جسد ليميا بعد الاستحمام مباشرة. بشرتها الساتانية. رائحة جسدها الناعم والمغطى بالصابون، جسد طفلة على عتبة المراهقة» (ص 66).

على النقيض تمامًا، يُشكِّل المعاون، الموصوم بـ«أحمق القرية»، ثقلًا موازنًا بصراحته وحبه للطبيعة وتقديره للملذات البسيطة. لن يتردد البعض في مضايقته بسبب بساطته.

تتحرك قطعتا الشطرنج هاتان، ونظيرتاهما (مقرر الإدارة الإمبراطورية، والعمدة، إلخ)، ضمن عالم مصغر رمزي لعالم أكبر، بلدة صغيرة يرفض الشتاء فيها الرحيل. جو من الخدر، ربما يُفسَّر كتحذير، أو بداية انحدار.

الجريمة لا تبقى فعلًا فرديًا، بل تتحول إلى أداة في يد السلطة. القائد سروه لا يبحث عن القاتل بقدر ما يبحث عن رواية مقبولة تحفظ النظام، حتى لو كان الثمن إشعال الفتنة بين سكان البلدة واتهام الأبرياء. في هذا العالم، الحقيقة ليست ما حدث، بل ما يُسمَح له أن يُصدَّق.

ترسٌ أساسي في السرد هو أن آلية تلفيق الحقائق المشوهة تكون أسهل بكثير من الحقيقة، وهي تُفعَّل لسحق كبش فداء. ومع تآكل هذه الثنائية بين الحقيقة والكذب تزهر نظريات المؤامرة بوجهها الجديد، وتُحفّز هذه الانفجارات من الأكاذيب، مُفضِّلة التفكير الانفعالي على التفكير المُتأني.

تأسر رواية «الغسق» القارئ أيضًا بكونها مفترق طرق بين مختلف الأنواع الأدبية، والتي يُحب الكاتب أن يضع نفسه في مركزها. يسعى الكاتب هنا إلى صوغ الشكل الأنسب لعصري وموضوعي، وقد ابتكر، كوعاء لهذه الأحداث الخيالية، «أوروبا الوسطى المُتخيّلة، بفلكلورها»، جامعًا الأدلة والمُضلِّلات بمجرد أن يُحاول القارئ تطبيقها على العالم الحقيقي.

تُحدِّثنا صفحات الرواية عن أنفسنا وعن حاضرنا، حتى وإن كانت أحداث القصة تدور في مطلع القرن الماضي. شخصياتها معيبة، مضطربة، بسيطة، منحرفة، وشاعرية أحيانًا، في عالم بصريّ وتصويريّ بامتياز.

في بعض الأحيان، يستحيل ألا نتذكر رواية جوليان غراك «شاطئ سرت» أو رواية دينو بوتزاتي «سهب التتار» – وهما كاتبان غالبًا ما تُقارن كتابات كلوديل بهما.

في رواية «الغسق»، ينسج فيليب كلوديل من جديد عالمًا آسرًا، ممزوجًا بلمسة من الماضي أو ما قبله، في زمنٍ كانت فيه الأمور أبسط وأكثر تعقيدًا في آنٍ واحد. رواية قادرة على ملامسة واقعنا المعاصر، الذي يتسم بالعواطف الجياشة، والآراء المتسرعة، والتلاعبات الخفية.

«الغسق» ليست مجرد رواية عن جريمة، بل رحلة في دهاليز النفس البشرية وتاريخ الإمبراطوريات التي تُبنى على القمع. وهي استكشاف رائع للطبيعة البشرية، مع نثر مليء بالمفاجآت، في إطار حكايةٍ قاسية ومظلمة، قاتمة بلا هوادة، حول سقوط الإنسانية.

أخبار ذات صلة

  • خرائط الأمل والصراع في «جنوب النهر»

  • الأمازيغ والبجا في مصر

  • الفريد.. سيرة قلب جريح

  • صعود الهامش في "أنصاف مُرَّة"

للإطلاع على النص الأصلي
31
0
مشاركة
حفظ

آخر الأخبار

أحدث الأخبار

    أحدث الفيديوهات