
خلال الفترة الأخيرة، ترددت أحاديث متزايدة حول بأسعار أعلى من "السعر العالمي"، استنادًا إلى أرقام متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، تقارن بين أسعار البورصات العالمية وأسعار التعاقد الفعلية، وتذهب إلى استنتاجات تتعلق بوجود عمولات أو تحميل غير مبرر على تكلفة الاستيراد.
غير أن هذه المقارنات، في جوهرها، تعتمد على قراءة سطحية لأرقام إرشادية لا تمثل السعر الحقيقي الذي تبرم به الصفقات الدولية، وتتجاهل عناصر جوهرية تدخل في تسعير القمح منذ لحظة التعاقد وحتى وصوله إلى الموانئ، وهو ما يستدعي توضيح الصورة كاملة، بلغة مبسطة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
أولًا: ما هو "السعر العالمي" الذي يتم تداوله؟
السعر المتداول عالميًا، مثل سعر بورصة شيكاغو للحبوب، هو سعر إرشادي يعكس تداولات عقود مستقبلية لقمح بمواصفات محددة، وفي نقاط تسليم بعينها، ولا يشمل بأي حال تكلفة نقله أو تأمينه أو تمويله.
وبالتالي، فإن التعامل مع هذا الرقم باعتباره "التكلفة النهائية" يعد خطأ شائعًا، لأن هذا السعر لا يمثل سوى جزء من معادلة التسعير الكاملة.
ثانيًا: كيف يتكون السعر الفعلي لطن القمح المستورد؟
السعر النهائي الذي تظهر به أي صفقة استيراد هو حاصل جمع عدة عناصر رئيسية، من بينها: الأساسي حسب المنشأ والمواصفات، ثم تكلفة الشحن البحري التي تختلف باختلاف الدولة المصدرة ومسار النقل، يليها تأمين البضاعة ضد المخاطر، فضلًا عن تكلفة التمويل حال السداد الآجل.
وعلى سبيل المثال، قد يضيف الشحن وحده ما بين 20 إلى 30 دولارًا للطن، بينما ترتفع التكلفة في حالة السداد المؤجل نتيجة تحميل المورد تكلفة التمويل والعملة، وهو أمر متعارف عليه عالميًا.
ثالثًا: السداد الآجل ليس "ميزة مجانية"
أحد أكثر العناصر التي يتم تجاهلها في المقارنات المنتشرة هو أسلوب السداد، فالشراء بالسداد الفوري يختلف كليًا عن الشراء بسداد آجل يمتد 180 أو 270 يومًا، حيث يعمد المورد في الحالة الثانية إلى تحميل السعر تكلفة التمويل، والتي قد تصل إلى 13–15 دولارًا للطن في القمح، وترتفع في السلع الزيتية.
وعليه، فإن مقارنة سعر صفقة آجلة بسعر بورصة فوري هو قياس غير علمي، ويؤدي بالضرورة إلى نتائج مضللة.
رابعًا: المنشأ عامل حاسم في التسعير
القمح ليس سلعة موحدة السعر عالميًا، إذ تختلف الأسعار حسب المنشأ، ونسبة البروتين، ومعدلات الرطوبة، وشروط التسليم، كما أن تنويع المناشئ يعد أداة أساسية لإدارة المخاطر، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما قد ينعكس أحيانًا على السعر، لكنه في المقابل يضمن استقرار الإمدادات وعدم الارتهان لمصدر واحد.
خامسًا: لماذا لا تصلح المقارنات السطحية؟
الحديث عن "فرق سعر" دون تحديد، أو طريقة السداد، أو تكلفة الشحن، يشبه مقارنة سعر سيارة في بلد المنشأ بسعرها بعد الشحن والجمارك والتأمين في بلد الاستيراد.
فالفارق هنا لا يعكس بالضرورة تحميلًا إضافيًا غير مبرر، بل يعكس ببساطة اختلاف مراحل التسعير.
سادسًا: منطق الأمن الغذائي قبل منطق الأرخص لحظيًا
في أوقات الاضطراب العالمي، لا يكون الهدف هو الشراء بأقل سعر معلن، وإنما تأمين احتياجات الدولة دون انقطاع، وبأقل مستوى من المخاطر، التركيز على السعر المجرد، دون النظر إلى استقرار الإمداد وتوقيتات التسليم ومخاطر الأسواق، قد يؤدي إلى فجوات خطيرة في السلع الاستراتيجية، وهو ما تتجنبه الدول عبر سياسات شراء أكثر تحفظًا وتوازنًا.
الأرقام لا تكذب.. لكن قد يساء استخدامها
الحديث عن "عمولات" أو "فروق أسعار" في استيراد القمح، اعتمادًا على أرقام مبتورة من سياقها، يخلق انطباعات غير دقيقة لدى الرأي العام.
أما الفهم الصحيح لتسعير القمح، فيؤكد أن السعر النهائي هو نتاج منظومة متكاملة من العوامل الفنية والمالية واللوجستية، وليس رقمًا واحدًا يقتطع من شاشة بورصة عالمية.
