![]()
بين طيات الرمال الذهبية في قلب الصحراء الغربية، وعلى بُعد نحو 7 كيلومترات من طريق "الخارجة - باريس"، تقبع قرية "جناح" كشاهد عيان على صراع الإنسان مع الطبيعة من أجل البقاء.
هنا في الوادي الجديد، حيث تنطق الأرض تاريخاً، تبرز "عين استخرب" ليس فقط كمصدر للمياه، بل كأيقونة صمود لم تنضب عبر القرون، محتفظة بأسرار حضارات تعاقبت على هذا الوادي المعزول.
وبحسب تصريحات خاصة لخبراء أثريين بالوادي الجديد، قال الخبير الأثري محمد إبراهيم، مدير عام الآثار بالخارجة، إن اسم "استخرب" مشتق في الأصل من عبارة دارجة قديماً وهي "إيش تخرب"، ومعناها الضمني "العين التي لا تخرب أبداً".
وأكد إبراهيم، أن هذه التسمية لم تأتِ من فراغ؛ فقد ظل جريان مائها المتدفق لعشرات السنين المصدر الأساسي والوحيد للحياة والزراعة في المنطقة كما أن تاريخ هذه العين يمتد لآلاف السنين، حيث كانت دائماً النقطة المركزية التي تتجمع حولها مظاهر الاستقرار البشري في واحة الخارجة.
وبتتبع الخيط الزمني لهذه القرية وتلك العين، حيث بدأت القصة منذ عصور قديمة، و جرى توثيقها في العصر الحديث من خلال رحالة ومستكشفين أجانب انبهروا بعظمة المكان، قال مدير عام آثار الخارجة، إن التسلسل كالتالي:
•العصر الروماني: البداية الحقيقية كانت مع استقرار الرومان في منطقة "عين الديب" (على بعد 3 كم غرب القرية الحالية). المنطقة تضم الآن بقايا مستوطنة رومانية ومقابر غطتها الرمال، وجرى تسميتها بـ"عين الديب" نظراً لتجمع الذئاب قديماً لمطاردة الحيوانات الأليفة هناك.
•عام 1730 - 1750: شهدت هذه الفترة التأسيس الفعلي لقرية "جناح" الحديثة على يد قبيلة "الأبروسي" المنحدرة من قبيلة بنو غازي.
•قبل عام 1800: جرى انتقال عائلات عديدة من دلتا النيل وصعيد مصر للاستقرار في الواحات، وتحديداً حول "عين استخرب" لتأسيس حقول النخيل التي تشتهر بها المنطقة حتى اليوم.
•عام 1820: وصل المستكشف الإيطالي "برناردينو دروفيتي" إلى المنطقة، وجرى تدوين اسم قرية جناح رسمياً في مذكراته كواحدة من الاكتشافات الهامة.
•عام 1832: زار الرحالة البريطاني "جورج ألكسندر هوسكينز" القرية، ووصفها وصفاً دقيقاً، حيث كان يسكنها آنذاك حوالي 250 نسمة، وجرى رصد طبيعة ملابسهم المصنوعة من الصوف البني والأحذية الحمراء.
•عام 1898: جرى إجراء أبحاث دقيقة بواسطة "هيو جون ليولين بيدنيل"، الذي وصف عيون جناح بأنها الأكثر إنتاجاً في الصحراء الغربية.
•عام 1909: عاد "بيدنيل" مرة أخرى ليؤكد أن "عين استخرب" هي شريان الحياة الذي يغذي الواحة منذ آلاف السنين.
أثيرت في الآونة الأخيرة بعض المعلومات التي تفيد بأن اسم القرية يعود للزعيم الباكستاني "محمد علي جناح" في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أن خبير السياحة والآثار بالوادي الجديد، فرحات شعيرة، نفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.
وأوضح "شعيرة"، أن الوثائق التاريخية، وتحديداً كتاب "زيارة إلى الواحة العظمى" المنشور عام 1832، ذكر اسم القرية بلفظ (Genah)، مما يثبت أن الاسم كان متداولاً ومسجلاً قبل ميلاد الزعيم الباكستاني بعقود طويلة.
أكد محسن عبد المنعم يونس، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد القيمة الهيدرولوجية للعين، حيث جرى تقدير كمية المياه المنبعثة منها قديماً بين 700 و800 جالون في الدقيقة. هذه القوة الدافعة جعلتها "رئة" الواحات ومصدر جودة تمورها التي لا تضاهى.
ويقول محسن، لـ "مصراوي": "إن عين استخرب ليست مجرد بئر، بل هي كنز تاريخي جعل من جناح مركزاً للاستقرار. ورغم تحديات التصحر وتغير المناخ، إلا أن القرية لا تزال تحافظ على نمط حياتها التقليدي الذي يعود لقرون".
أضاف أحمد مسعود عكاشة، خبير التراث والتاريخ الواحاتي، أنه جرى وصف شوارع قرية جناح في التقارير التاريخية بأنها كانت صغيرة ومفتوحة من الأعلى، وهو ما يميزها عن بقية قرى واحة الخارجة التي تشتهر بالسقائف (الممرات المغطاة).
وتابع "عكاشة" أنه: "بسبب كثافة أشجار النخيل والظلال التي كانت تغطي الأزقة، جرى في العصور الماضية تسجيل صعوبة مرور الجمال المحملة عبر تلك المسارات الضيقة، مما منح القرية طابعاً هندسياً فريداً يراعي البيئة والمناخ".