
أكدت وزارة الأوقاف على اتفاق العلماء وأئمة أهل السنة على الشريفين للرسول صلى الله عليه وسلم، لوقوعهما في زمن الفترة بين الرسل، مستندين في ذلك إلى نصوص قرآنية قطعية، ويتجاوز كلامنا مجرد البحث التاريخي ليتصل بأصل أدبي وأخلاقي يوجب صون ا المعظم ﷺ عن كل ما يؤذيه، وتنزيه أصوله الطاهرة عن شوائب الشرك والجفاء؛ إعمالًا للقواعد الأصولية التي تُحكم النصوص وتجمع بين شتات الأدلة.
الأدلة الشرعية على نجاة الأبوين الشريفين
للعلماء في إثبات هذا الحُكم والاستدلال عليه عِدَّةُ طُرُقٍ:
أوَّلُها وأهَمُّها: أن الأبوين الشريفين مِن أهل الفَترة؛ لأنهما مَاتَا قَبل البعثة، ولا تعذيب قَبلَها، وقد صَرَّح أئمةُ أهل السنة أنَّ مَن مات ولم تَبلُغه الدعوةُ يَموتُ ناجِيًا، ومِمَّن صَرَّح بذلك العلَّامةُ الأَجهُورِي فيما نَقَلَه عنه العلَّامة النفراوي في (الفواكه الدَّوَاني)، وشَرَفُ الدِّين المُناوي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي في [الحاوي للفتاوي]، ونَقَلَ سِبطُ ابن الجَوزِي هذا القولَ عن جماعةٍ مِن العلماء مِنهم جَدُّهُ الحافظ أبو الفَرَج ابن الجَوزِي الحَنبَلِي، وجَزَم بهذا القولِ العلَّامةُ الأُبِّي في "شرحه على صحيح مُسلِم"، ومَالَ إليه الحافظ ابن حجر في بعض كتبه كَمَا نَقَلَ عنه الحافظ السيوطي في (مَسَالِك الحُنَفَا).
واستَدَلُّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [ الإسراء:١٥ ]، وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ یَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ} [الأنعام: ١٣١]، وبآياتٍ وأحاديث أُخرى، فوالِدَا المصطفى ﷺ مِن أهل الفَترة؛ لأنهما رضي الله عنهما مَاتَا في أول شبابهما ولم تَبلُغْهُما الدَّعوةُ؛ لِتَأَخُّرِ زَمانِهِما وبُعده عن زَمانِ آخِرِ الأنبياء؛ وهو سيدنا عيسى - عليه السلام - ولِإطباقِ الجَهلِ في عَصرهما، فلم يَبلُغ أَحَدًا دعوةُ نبيٍّ مِن أنبياء الله إلَّا النَّفَرَ اليَسِيرَ مِن أحبارِ أهل الكتاب في أقطار الأرض كالشام وغيرها، ولم يُعهَد لهُما التَّقَلُّبُ في الأسفار ولا عَمَّرَا عُمرًا يُمكِن معه البحثُ عن أخبار الأنبياء، وهُما لَيْسَا مِن ذُرِّيَّة سيدنا عيسى - عليه السلام - ولا مِن قَومِه، فبَانَ أنهما مِن أهل الفَترة بلا شَكّ.
فلا نرد نصًا قطعي المتن قطعي الدلالة، بنص ظني المتن وظني الدلالة عند الترجيح بينهما مثل حديث «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» [مسلم: ٢٠٣] فتقرر من أنهما أهل فترة.
وهذا اعتمادًا على نص من كتاب الله القطعي المتن وقطعي الدلالة، وما كنا لنرد نصًّا قطعي المتن قطعي الدلالة، بنص ظني المتن وظني الدلالة عند الترجيح بينهما، فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» [مسلم: ٩٧٦]، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن، فلا يرد بها نص قرآني قطعي المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [ الإسراء:١٥ ]؛ أي: ولا مُثيبين.
وهذا النص قطعي الدلالة لا يحتمل غير ما يدل عليه لفظه بالمطابقة، بخلاف حديث: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ»؛ فإنه ظني الدلالة؛ ويحتمل أنه يعني بقوله: «إِنَّ أَبِي» عمه أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم: أبًا، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:
أحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة؛ وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، وسيدنا إسماعيل – عليه السلام -عمه قطعًا؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.
والموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥۤ إِسۡحَٰقَ وَیَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَیۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ﴾ إلى أن قوله تعالى: ﴿وَإِسۡمَٰعِیلَ وَٱلۡیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطࣰاۚ﴾ [ الأنعام: ٨٤/٨٦]؛ فهو نص قرآني على أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يطلق عليه أبٌ للوط - عليه السلام - وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّیَّتِهِۦ﴾ [الأنعام: ٨٤] يرجع إلى سيدنا نوح – عليه السلام - لأنه قال في الآية من قبل ذلك: ﴿وَنُوحًا هَدَیۡنَا مِن قَبۡلُۖ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ولكنه احتمال مرجوح ؛ لأن الكلام عن سيدنا إبراهيم – عليه السلام.
إذًا فإنه يحتمل أنه - ﷺ - لما سأله الأعرابي بقوله: «أَينَ أَبِي؟» وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقال - ﷺ: «رُدُّوه عَلَيَّ» فلما رجع قال له: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ».
ومما يدل على ان آزر عم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وليس والده أن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِیِّ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَن یَسۡتَغۡفِرُوا۟ لِلۡمُشۡرِكِینَ وَلَوۡ كَانُوۤا۟ أُو۟لِی قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِیمِ * وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِیمَ لِأَبِیهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةࣲ وَعَدَهَاۤ إِیَّاهُ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥۤ أَنَّهُۥ عَدُوࣱّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ﴾ [التوبة: ١١٣-١١٤] فهذه الآية تدل على أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد استغفر لأبيه؛ أي عمه، والعم يُسمى أبًا في اللغة، وفي هذا يقول الإمام الرازي: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ وَالِدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ تَارَحَ وَآزَرُ كَانَ عَمًّا لَهُ، وَالْعَمُّ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَبِ، كَمَا حَكَى اللَّه تَعَالَى عَنْ أَوْلَادِ يَعْقُوبَ - عليه السلام - أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿قَالُوا۟ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَاۤئِكَ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ، وَقَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ لَفْظَ الأب فكذا هاهنا. [مفاتيح الغيب = التفسير الكبير لفخر الدين الرازي: ١٣/٣٢ – ط دار إحياء التراث العربي].
وقد جاء في القرآن أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد استغفر لوالديه في آخر أيامه بعد أن أصبح شيخا، ورُزق بولدين هما سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق - عليهما السلام - وذلك بعد موت عمه (آزر أو تارح) بكثير، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی وَهَبَ لِی عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِیلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّی لَسَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ * رَبِّ ٱجۡعَلۡنِی مُقِیمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّیَّتِیۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَاۤءِ * رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِی وَلِوَٰلِدَیَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِینَ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠-٤١] وقد علمنا مما سبق أنه - عليه السلام - قد ترك الدعاء لأبيه - أي عمه - بعد أن مات على الكفر، وقد مات قبل أن يبلغ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - سن الشيخوخة بكثير، فكيف يعود للاستغفار له مرة أخرى؟
ولذلك فلا يستقيم أن نجعل هذا الاستغفار في آخر أيام سيدنا إبراهيم - عليه السلام - من أجل تلك الموعدة التي وعدها إياه.
وبذلك يتبين أن آزر ليس والد سيدنا إبراهيم عليه السلام بل عمه قطعا.
والدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة
فالتحقيق في أبوي سيدنا رسول الله - ﷺ - أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يدركوا النذارة قبلهم، ولم تدركهم الرسالة التي من بعدهم، فإذا كان ذلك كذلك، فإن والد النبي - ﷺ - التحقيق أنه مات والنبي – بأبي وأمي هو – حمل في بطن أمه، وأمه - ﷺ - ماتت وهو ابن ستة أعوام بلا خلاف؛ وإذًا فإنهما من أهل الفترة.
فإن قال قائل: العرب كانوا على دين سيدنا إسماعيل - عليه السلام - فعندهم نذارة أدركوها.
فأين نحن من قوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [يس: ٦] وما هنا نافية على التحقيق بدليل الفاء في قوله: ﴿فَهُمۡ غَٰفِلُونَ﴾؛ أي: لِعِلَّةِ عدم إنذارهم، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن رَّحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡنَٰهُم مِّن كُتُبࣲ یَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ﴾ [سبأ:٤٤] وقوله تعالى: ﴿بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ﴾ [السجدة: ٣].
واستَدَلَّ بعض أهلُ العلم بقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِی یَرَىٰكَ حِینَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّٰجِدِینَ﴾ [الشعراء: ٢١٨-٢١٩]؛ أي أنه ﷺ كان يَتَقَلَّب في أصْلَاب الساجِدِين المؤمنين مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ آباءه ﷺ لم يكونوا مشركِين؛ وفي هذا يقول الإمام الرازِي فيما نَقَلَه عنه الحافظ السيوطي: ومِمَّا يَدُلُّ على أنَّ آباءَ سيدِنا محمدٍ ﷺ ما كانوا مُشرِكِين قولُه عليه السلام: «لَم أَزَل أُنقَلُ مِن أَصلَابِ الطَّاهِرِينَ إلى أَرحامِ الطَّاهِرَاتِ»، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ﴾ [التوبة: ٢٨]، فوَجَب ألَّا يَكُونَ أَحَدٌ مِن أجْدَادِه ﷺ مُشرِكًا. [الحاوي للفتاوي: ٢/ ١٩٩، ط دار الكتب العلمية].
واستَدَلَّ السيوطي أيضا بدليلٍ آخَر مُرَكَّبٍ، مُلَخَّصُه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَأَنَا مِنْ خِيَارٍ إِلَى خِيَارٍ» [الطبراني: ١٣٦٥٠، والحاكم: ٦٩٥٣]، وبهذا الحديث وغيرِه من الأحاديث والآيات الدالَّة على مثل هذا المعنى ثَبَت أنَّ كُلَّ أصلٍ مِن أُصوله ﷺ مِن آدم - عليه السلام - إلى أبيه عبد الله خيرُ أهلِ قَرنِه وأَفضَلُهم، وقد وَرَدَت الأحاديث والآيات التي تَدُلُّ على أنَّ كُلَّ عَصرٍ مِن العُصورِ مِن عَهد سيدنا نوحٍ - عليه السلام - إلى قِيَام الساعة لا يَخلو مِن أُناسٍ على الفِطرة والتوحيد، وعليه يَجب أن نقول: إن أبَوَي النبي - ﷺ - كانا مُؤْمِنَيْنِ وإلَّا وَقَعْنَا في المَحظور، وهذا المَحظور مُتَمَثِّلٌ في أَحَد أَمرَين:
أوَّلُهُما: أنَّه يلزم أن يكون غيرهما مِن المؤمِنين خيرًا منهما إن سلمنا دعوى نسبتهما إلى عدم الإيمان -حاشاهما عليهما السلام-، وهذا مُخالِفٌ لصَرِيح الأدلة التي منها الحديثُ السابقُ ذِكْرُه.
وثانيهما: أنَّ تسليم دعوى عدم إيمانهما يستلزم تَفضيل الكافرين على المؤمنين؛ فوجب عند ذلك القول بإيمانهما.
والطريق الثالث:
أنهما ناجِيَان لأن الله تعالى أحياهما له ﷺ حتى آمَنا به ﷺ، وهذا المَسلَك مال إليه طائفةٌ كثيرةٌ مِن حُفَّاظِ المُحَدِّثين وغيرهم؛ منهم: الإمام الحافظ الخطيب البغدادي، والحافظ ابن شاهين، والإمام ابن المُنَيِّر، والإمام المُحِبُّ الطَّبَري، والإمام القُرطُبِي، والحافظ أبو الفتح بن سيد الناس، والعلامة الصلاح الصفدي، والحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، والحافظ السيوطي. [من موقع دار الإفتاء المصرية: تاريخ الفتوى: ١٩ نوفمبر ٢٠١٤ م - رقم الفتوى: ٣٩٩١ - من فتاوى الأستاذ الدكتور/ شوقي إبراهيم علام].
الآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ
قد تقرر أن أولاد المشركين، والبُلْه، الذين ماتوا صغارًا من أهل الفترة لِما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِالْمَوْلُودِ، وَبِالْمَعْتُوهِ، وَبِمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، وَالشَّيْخِ الْفَانِي، كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ: ابْرُزْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيْكُمْ، ادْخُلُوا هَذِهِ، فَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقَاءُ: يَا رَبِّ، أَيْنَ نَدْخُلُهَا، وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ؟ قَالَ: وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ يَمْضِي، فَيَتَقَحَّمُ فِيهَا مُسْرِعًا، قَالَ: فَيَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً، فَيُدْخِلُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ، وَهَؤُلَاءِ النَّارَ» [مسند أبي يعلى: ٤٢٢٤، والبيهقي في القضاء والقدر: ٦٤٦]، وذكر ذلك من الفسرين ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [الإسراء: ١٥] فقال: وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "كِتَابِ الِاعْتِقَادِ" وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ النُّقَّادِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَري بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحَادِيثِ الِامْتِحَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَحَادِيثُ هَذَا الْبَابِ لَيْسَتْ قَوِيَّةً، وَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يُنْكِرُونَهَا؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ وَلَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ وَلَا ابْتِلَاءٍ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُونَ دُخُولَ النَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؟!
وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ يَقْوَى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا. [تفسير ابن كثير: ٥/٥٨ – ط دار طيبة للنشر].
الرد على شبهة أن هذا تكليف والآخرة دار جزاء فهي يوم الدين.
يقول الحافظ ابن كثير أيضا: وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ" فَلَا شَكَّ أَنَّهَا دَارُ جَزَاءٍ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿یَوۡمَ یُكۡشَفُ عَن سَاقࣲ وَیُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ﴾ [ن: ٤٢] وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفَاهُ. [البخاري: ٤٩١٩].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ! ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. [البخاري: ٨٠٦].
وَأَمَّا قَوْلُهُ: "وَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ دُخُولَ النَّارَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ؟ " فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ، كَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَمِنْهُمُ السَّاعِي وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوشُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. [تفسير ابن كثير: ٥/٥٨ – ط دار طيبة للنشر].
فإن قال قائل: أليس بالإمكان حمل الخاص على العام؟ لأن الخاص يقضي على العام عند الجمهور؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِینَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولࣰا﴾ [الإسراء:١٥]. دليل عام، والأحاديث الواردة في أشخاص معينين دليل خاص، فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه بقي على عمومه داخلًا فيه.
والجواب عن هذا: أن هذا التخصيص لو قلنا به لأبطل ذلك حكمة العام؛ لأن الله سبحانه تمدَّح بكمال الإنصاف، وأنه لا يعذِّب أحدا حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل له في دار الدنيا، فلو عذَّب أحدًا من غير إنذار لاختلّت تلك الحكمة التي تمدَّح الله سبحانه بها، ولثبتت لذلك المُعذب الحجة على الله التي أرسل الرسل لقطعها كما بينه تعالى في قوله تعالى: ﴿رُّسُلࣰا مُّبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ لِئَلَّا یَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾ [النساء: ١٦٥].
وهذه الحجة التي أرسل الرسل لقطعها بيّنها في موضع آخر بقوله تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّاۤ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابࣲ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ﴾ [طه: ١٣٤]، وقال تعالى في سورة القصص: ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن تُصِیبَهُم مُّصِیبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ فَیَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [القصص: ٤٧].
وعلى القول بأنَّ أهل الفَترة يُمتَحَنُون على الصراط فإن أطاعوا دَخلوا الجنة فقد نص العلماء على أن الوالِدَين الشريفين لو قِيل بامتحانهما فإنهما مِن أهل الطاعة؛ قال الحافظ ابن حَجَر: "إن الظَّن بهما أن يُطيعَا عند الامتحان"، نَقَلَه الحافظ السيوطي عنه.
وقد أَورد الإمام الطَّبَرِيُّ في "تفسيره" [٢٤/ ٤٨٧، ط. دار الرسالة] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في تَفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوۡفَ یُعۡطِیكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰۤ﴾ [الضحى: ٥] قال: مِن رِضا محمدٍ - ﷺ - ألا يَدخُل أَحَدٌ مِن أهل بيته النارَ.
فيتعين بكل هذه الحجج عذر أهل الفترة بفترتهم في الدنيا، وأنهم ممتحنون يوم القيامة، ولا يعلم من يقتحم منهم النار ممن يمتنع إلا الله الذي خلقهم. [من موقع دار الإفتاء المصرية: تاريخ الفتوى: ١٩ نوفمبر ٢٠١٤ م - رقم الفتوى: ٣٩٩١ - من فتاوى: الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام].
مصنفات العلماء في الانتصار لوالدي النبي المختار صلي الله عليه وآله وسلم
للعلماء مصنفات عدة في هذه المسألة ونذكر من هذه المصنفات ما يلي:
- حديقة الصفا في والدي المصطفى ﷺ؛ كلاهما للإمام السيد المحدث العلامة محمد مرتضي الزبيدي.
- تحقيق آمال الراجين في أن والدي المصطفى ﷺ من الناجين، للعلامة ابن الجزار.
- ذخائر العابدين في نجاة والدي المكرم سيد المرسلين ﷺ للعلامة الأسبيري.
- مرشد الهدى في نجاة أبوي المصطفى ﷺ للعلامة وحدي الرومي.
- مطلع النيرين في إثبات نجاة أبوي سيد الكونين ﷺ للعلامة المنيني.
- هدايا الكرام في تنزيه آباء النبي عليه الصلاة والسلام، للعلامة البديعي.
- بلوغ المآرب في نجاة أبوي المصطفى وعمه أبي طالب، للعلامة الأزهري اللاذقي.
- تأديب المتمردين في حق الأبوين، للعلامة عبد الأحد بن مصطفى الكتاهي السيواسي.
- الرد على من اقتحم القدح في الأبوين الكريمين للعلامة البخشي.
- سِدَاد الدِّين وسَدَادُ الدَّيْن في إثبات النجاة والدرجات للوالدين، للعلامة البرزنجي.
- قرة العين في إيمان الأبوين، للعلامة الدوايخي.
- القول المختار فيما يتعلق بأبوي النبي المختار ﷺ للعلامة الديربي.
- الجواهر المضية في حق أبوي خير البرية ﷺ للعلامة التمرتاشي.
- سبيل السلام في حكم آباء سيد الأنام ﷺ لمحمد بن عمر البالي.
- إنباء الأصفياء في حق آباء المصطفى ﷺ للرومي الأماسي.
- تحفة الصفا فيما يتعلق بأبوي المصطفى ﷺ للعلامة الغنيمي.
- رسالة في أبوي النبي ﷺ للعلامة الفناري.
- السيف المسلول في القطع بنجاة أبوي الرسول ﷺ للعلامة أحمد الشهرزوري.
- خلاصة الوفا في طهارة أصول المصطفى ﷺ من الشرك والجفا، للعلامة محمد بن يحيى بن الطالب.
- مباهج السنة في كون أبوي النبي ﷺ في الجنة للعلامة ابن طولون.
- سعادة الدارين بنجاة الأبوين، للعلامة السيد محمد علي بن حسين المالكي.
- القول المسدد في نجاة والدي سيدنا محمد ﷺ للعلامة محمد بن عبد الرحمن الأهدل.
- نخبة الأفكار في تنجية والدي المختار ﷺ للعلامة محمد بن سيد إسماعيل الحسني.
- إيجاز الكلام في والدي النبي ﷺ للعلامة محمد بن محمد التبريزي.
- إرشاد الغبي إلى إسلام آباء النبي ﷺ لأحد علماء الهند -كما في [إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: ٣/٦١، ط دار إحياء التراث العربي].
حتى صَنَّف الإمام الحافظ المجتهد السيوطي الشافعي في ذلك سِتَّ رسائل، وهي:
مَسَالِك الحُنَفاء في والِدَي المصطفى - الدرج المنيفة في الآباء الشريفة - المقامة السندسية في النسبة المصطفوية - التعظيم والمنة في أن أبَوَي رسول الله ﷺ في الجنة - نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين - السبل الجَلِيَّة في الآباء العَلِيَّة.
الأدب الواجب مع الجناب النبوي المعظم وحرمة الإيذاء
فالحذرَ الحذرَ من إطلاق اللسان بغير الأدب مع الوالدين الكريمين لرسول الله ﷺ في هذه المسألة، فإن وصفهما عليهما السلام بالكفر انتقاص لهما، وانتقاصهما هو من الأذى البليغ وسوء الأدب مع الجناب الأجل سيدنا محمد ﷺ، فعَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي لَهَبٍ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عُقْبَةَ، وَالْوَلِيدَ، وَأَبَا مُسْلِمٍ، ثُمَّ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي أَبَوَيْهَا فَجَاءَتْ، رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا وَلَدَ الْكُفَّارُ غَيْرِي؟، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَتْ: قَدْ آذَانِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي أَبَوَيَّ فَقَالَ، لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّيْتِ الظُّهْرَ فَصَلِّي حَيْثُ أَرَى»، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ، الظُّهْرَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَكُمْ نَسَبٌ وَلَيْسَ لِي نَسَبٌ» فَوَثَبَ عُمَرُ فَقَالَ: غَضِبَ اللهُ عَلَى مَنْ أَغْضَبَكَ فَقَالَ: «هَذِهِ بِنْتُ عَمِّي فَلَا يَقُلْ لَهَا أَحَدٌ إِلَّا خَيْرًا» [الطبراني: ٢٤/(٦٥٦)] فإذا كان النبي ﷺ قد غضب بإيذاء بنت عمه درة بكفر أبويها أبي لهب وأم جميل مع ثبوت دخولهما النار ولعنهما بالآية القرآنية قطعية الثبوت والدلالة، ولا يمكن بأي وسيلة تأويل كفرهما ودخولها النار، فهو - ﷺ - أحرى بالغضب على تكرار دخول أبويه النار وترويجه بين المسلمين مع أن ذلك ثابت بحديث صحيح ظني الثبوت والدلالة.
وقال العلامة شهاب الدين أحمد الحلواني الخليجي الشافعي: وبالجملة فالقول بكفر أبويه ﷺ زلَّة غافل نعوذ بالله من ذلك، فمن تفوه به فقد تعرض للكفر بإيذائه ﷺ، فقد جاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكى إليه ﷺ أن الناس يسبون أباه؛ فقال ﷺ: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ»، ولا شك أنه ﷺ حيٌّ في قبره تُعرَضُ عليه أعمالُنا، وإذا رُوعِيَ عكرمةُ رضي الله عنه في أبيه بالنهي عما يتأذى به مِن سبِّه فسيد الخلق ﷺ أولى وأوجب. [مواكب ربيع في مولد الشفيع: ص ٣٥٦، ط دار جوامع الكلم].
وقال الإمام القسطلَّاني: والحَذَرَ الحَذَرَ مِن ذِكْرِهِمَا بما فيه نَقص، فإنَّ ذلك قد يُؤذِي النبيَّ ﷺ؛ فإن العُرف جَارٍ بأنه إذا ذُكِرَ أبو الشَّخص بما يُنقِصُه أو وَصْفٍ وُصِفَ به وذلك الوَصْفُ فيه نَقصٌ تَأَذَّى وَلَدُه بِذِكْرِ ذلك له عند المُخَاطَبَة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» [الحديث أخرجه هناد بن السري في الزهد: ٢/ ٥٦١] [ينظر المواهب اللَّدُنِّيَّة: (١/ ٣٤٨)].
وذَكَرَ العلَّامة الآلوسي عند قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّٰجِدِینَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] أنَّ القولَ بإيمانِ أبَوَيه ﷺ قَولُ كَثيرٍ مِن أَجِلَّةِ أهل السُّنَّة [روح المعاني: ١٠/١٣٥ ط دار الكتب العلمية].
وقال ابن عابدين: وبالجُملة كَمَا قال بعضُ المُحَقِّقِين: إنه لا يَنبَغِي ذِكْرُ هذه المَسألة إلَّا مَع مَزِيدِ الأَدَب، ولَيْسَت مِن المَسَائل التي يَضُرُّ جَهلُها أو يُسأَلُ عنها في القَبر أو في المَوقِف؛ فحِفظُ اللِّسَان عن التَّكَلُّم فيها إلَّا بِخَيرٍ أَوْلى وأَسلَم. [حاشية ابن عابدين: ٣/١٨٥ ط دار الفكر].
فلْيَتَّق اللهَ أولئك الجهلة الخائضون في هذا الأمر العظيم بِهَوًى وجَهل وسوء أدب مع سيد الخلق - ﷺ - مع افتقادهم لعلوم الآلة وفهم النصوص الشرعية؛ داعين فيها لأقوالٍ شاذة لم يقبلها علماء المسلمين ولا أئمتهم عبر القرون، ولْيَخْشَوْا أن تصيبهم لَعنَةُ الله جل جلاله بما يروجونه من الآراءِ المهملةِ المستهجَنةِ المستوجِبةِ لإيذَاء حبيب الرحمن وسيد الأكوان محمد ﷺ.
الخلاصة
تتضافر الأدلة النقلية والعقلية لإثبات نجاة الوالدين الكريمين باعتبارهما من أهل الفترة الذين شملهم الوعد الإلهي برفع التعذيب، مع تأويل الأحاديث الظنية بما يتفق مع كمال الإنصاف الإلهي، وقد صنف الحفاظ عشرات المصنفات في هذا الأمر، مؤكدين أن السلامة في كف اللسان عن الخوض بما يورث الإيذاء لقلب سيدنا المصطفى ﷺ، فإن حقيقة الإيمان بنبوته تقتضي رعاية حُرمة أصوله، واليقين بأن من تقلّب في أصلاب الساجدين لا يكون إلا في حرز الأمان والرضوان.