
أفتح دفاتر الذاكرة فأشمّ رائحة الطين بعد فيضان النيل، وأرى وجوهًا عبرت الأزقة وهي تحمل في قسماتها مزيجًا من الصلابة والرحمة. هناك، في الحارات التي لم تكن تعرف الثرثرة بقدر ما تعرف الفعل، وُلدت القيم المصرية؛ لا بوصفها عناوين محفوظة، بل باعتبارها سيرة يومية تُعاش. كان الصدق عملةً لا تبور، وكان العيب حارسًا خفيًا يردع قبل أن تُرفع العصا، وكانت الكلمة عهدًا لا يُنقض.
تلك القيم لم تهبط فجأة من سماء بعيدة، بل تشكّلت عبر قرون من المعاناة والعمل والصبر. الفلاح الذي ينتظر موسم الحصاد تعلّم معنى الأمانة؛ إن خان الأرض خانته. والصانع في دكانه الصغير أدرك أن الإتقان ليس رفاهية، بل شرف. والأم، وهي تغزل لأبنائها ثيابهم، غرست فيهم الحياء كما تغرس الإبرة خيطها في القماش، خيطًا خفيًا لكنه يمسك النسيج كله.
غير أن المشهد تبدّل. صارت البيوت مفتوحة على عوالم لا تُرى، وتدفقت صور وأصوات بلا استئذان. الشاشات الصغيرة استحالت نوافذ واسعة، يدخل منها كل شيء: الجميل والقبيح، العميق والسطحي، الحكمة والابتذال. لم يعد الطفل ينتظر حكاية الجدة في المساء؛ صار ينتظر إشعارًا يلمع على شاشة هاتفه. وهنا لا تكمن الخطورة في التقنية ذاتها، بل في غياب الدليل الذي يعلّم كيف يُستخدم الضوء حتى لا يحرق العين.
اللامبالاة هي العدو الخفي. حين يمرّ الكذب مرور العابرين، وحين تُبرَّر القسوة بأنها «جرأة»، وحين يُختزل النجاح في عدد الإعجابات، تتبدّل الموازين. ينشأ جيل يرى الشهرة غاية، ولو على حساب الوقار، ويرى الظهور إنجازًا ولو خلا من المعنى. تتراجع قيمة العمل الصامت، ويتقدّم الضجيج، كأن المدينة نسيت أن أعمدتها شُيّدت بصبر لا بضوضاء.
في الأزمنة التي مضت، كان للبيت إيقاع. مجلس يجتمع فيه الأبناء، وكبير تُسمع كلمته لا خوفًا بل احترامًا. لم يكن ذلك قيدًا على الحرية، بل سياجًا يحميها من الانفلات. اليوم، تساوت الأصوات حتى ضاع الاتجاه، وغاب الفارق بين النصيحة والسخرية، وبين الرأي والمعرفة. الطفل يجادل قبل أن يتعلم، ويقلد قبل أن يختبر، ويطلب قبل أن يدرك معنى العطاء.
هنا تتعاظم مسؤولية أولياء الأمور. التربية ليست رقابة جافة، ولا تفتيشًا دائمًا في الهواتف والحقائب، بل حضورًا حيًا في تفاصيل اليوم. أن يجلس الأب مع ابنه فيصغي قبل أن يحكم، وأن تقترب الأم من ابنتها فتحتوي قبل أن تعاتب، تلك هي البدايات. الحوار جسر ممتد بين جيلين؛ إن انقطع، سقط الصغار في فراغ لا قرار له.
القدوة هي حجر الأساس. لا يمكن أن نطلب من الأبناء الصدق ونحن نمارس عكسه في مكالمة عابرة، ولا أن نطالبهم باحترام الآخرين ونحن نسخر منهم في مجالسنا. الطفل يقرأ التناقض كما يقرأ الحروف، بل أشد. فإن رأى تطابقًا بين القول والفعل، ترسّخت القيم في أعماقه، وإن رأى انفصالًا بينهما، تشققت الصورة، وضاعت الثقة.
الحفاظ على القيم المصرية لا يعني الانغلاق على الذات. مصر عبر تاريخها كانت معبرًا للحضارات، تأخذ من الوافد ما يثريها، وتترك ما لا يلائم روحها. المسألة في حسن الاختيار؛ أن نعلّم أبناءنا كيف ينتقون، لا أن نحجب عنهم العالم كله. فالعزلة وهم، أما الوعي فهو الحصن. حين يمتلك الشاب ميزانًا داخليًا يزن به ما يرى ويسمع، لن تضلّه كثرة الطرق.
الانفلات التربوي الذي نلحظه في بعض السلوكيات ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكم إهمال صغير فوق آخر. ساعة غابت فيها جلسة العائلة، وكلمة لم تُصحَّح في وقتها، ومشهد تُرك بلا تعليق. التفاصيل الصغيرة تصنع التحولات الكبرى. كما أن قطرة الماء تحفر الصخر بالصبر، كذلك الإهمال يحفر في جدار القيم حتى يضعفه.
إن إعادة الاعتبار للقيم تبدأ من أمور بسيطة: تحديد أوقات لا تُمسّ للجلوس مع الأبناء، مناقشة ما يشاهدونه بدل الاكتفاء بالمنع، تشجيعهم على القراءة والعمل التطوعي، وتعليمهم أن الاحترام لا ينتقص من الكرامة بل يعززها. حين يشعر الابن أن له مكانًا حقيقيًا في بيت يسمعه، لن يبحث عن اعتراف زائف في فضاء عابر.
القيم ليست حنينًا إلى ماضٍ نتغنى به، بل عقد أمانة بين الأجيال. إن انقطع، ضاعت السلسلة. مصر التي علّمت الدنيا معنى الحضارة لم تفعل ذلك بالقوة وحدها، بل بأخلاق أهلها. فإذا استقامت البيوت، استقامت الأزقة، وإذا صلحت الأزقة، استعادت المدينة وجهها الذي نعرفه؛ وجهًا يشبه النيل في هدوئه وعمقه، لا يخدشه صخب عابر ولا تبتلعه غفلة.
هكذا تُصان الهوية: بيقظة لا تنام، وبحب لا يكلّ، وبآباء وأمهات يدركون أن أبناءهم امتداد لقيم وطن، لا لأسمائهم فحسب. فإذا حفظنا الأمانة في القلوب، بقيت مصر كما عرفناها؛ بلدًا يقوم على الخلق قبل الحجر، وعلى المعنى قبل المظهر، وعلى إنسان يعرف أن كرامته من كرامة سلوكه، وأن مستقبله يبدأ من بيته.
-
"من الطاقة إلى التقدم.. الطاقة النووية وراء التنمية المصرية" -
محمد صلاح المُفترَى عليه -
بكاء محمد صلاح.. وتجميد عضوية إسرائيل -
الشارع يشتعل في إنجلترا.. ويحترق في السودان وليبيا