
قراءة نقدية للحلقة الأولى من "مناعة" وصعود غرام في عالم الممنوعات
مسلسل اختار الدخول إلى عالم الباطنية لا بوصفه خلفية شعبية فحسب، بل باعتباره بنية اجتماعية كاملة، لها قوانينها الصارمة، ولغتها، وأخلاقياتها الملتبسة، والعمل لا يكتفي باستعادة زمن السبعينيات والثمانينيات، بل يحاول أن يعيد بناء مزاج تلك المرحلة؛ حيث تختلط التجارة غير المشروعة بشبكات النفوذ العائلي، ويصبح البقاء نفسه فعل مقاومة.
أداء هند صبري.. اقتصاد الانفعال وصناعة التحول
أكثر ما لفت نظري في الحلقة الأولى فى أداء هو قدرتها على إدارة التحول الداخلي للشخصية دون قفزات ميلودرامية حادة، فشخصية غرام لا تنتقل من الهشاشة إلى القوة عبر خطاب مباشر أو انفعال فج، بل عبر تراكم نظرات، وتغيرات دقيقة في طبقة الصوت، وطريقة الوقوف، وحتى إيقاع الحركة داخل الكادر، وخير مثال علي ذلك تحولها في مشهد واحد وهو خطوبة شقيقتها مها نصار، فقبل معرفتها معلومة ما كانت رافضة للزواج وتضع شروطا للعريس ولكن بعد علمها معلومات أخري عن علاقة شقيقتها بعريسها تغيرت كلية.
هند صبري تدرك أن الشخصية التي تقدمها تصعد في عالم الجريمة ولا تحتاج إلى صراخ، بل إلى صمت محسوب، نرى في عينيها الخوف، لكننا نرى أيضًا حسابات باردة تتشكل، وهذا التوازن بين العاطفة والغريزة هو ما يمنح الأداء صدقيته، والتي ظهرت في أولي الحلقات، فقد تجنبت الوقوع في فخ الأداء الكاريكاتيري؛ فلا تبالغ في اللهجة، ولا في الإيماءات، بل تترك للشخصية أن تتنفس داخل بيئتها، وهذه القدرة على التماهي دون افتعال تعكس نضجًا أدائيًا وخبرة في التعامل مع شخصيات مركبة أخلاقيًا.
ديكور واقعي.. الباطنية كحالة بصرية
الديكور في «مناعة» ليس مجرد إعادة إنتاج لحي شعبي، بل محاولة لاستحضار طبقات المكان، الأزقة الضيقة، الألوان الباهتة، الإضاءة المائلة إلى الاصفرار، كلها عناصر تخلق إحساسًا بالاختناق البصري، وكأن المكان نفسه يضغط على الشخصيات، والمقابر، بوصفها فضاءً دراميًا، تُقدَّم لا كرمز موت تقليدي، بل كمساحة مفارقة للحياة السرية؛ حيث يُزرع الممنوع في قلب الصمت، هذا الاشتغال على الفضاء يمنح العمل بعدًا رمزيًا دون أن يبتعد عن الواقعية، والكاميرا تتحرك بحذر، كأنها تتلصص على عالم مغلق، ولا توجد لقطات تجميلية زائدة، بل ميل واضح إلى الخشونة البصرية التي تخدم طبيعة الحكاية، وهنا يصبح المكان شريكًا في السرد، لا مجرد خلفية.
عالم المخدرات.. بين الواقعية والطرح الاجتماعي
المسلسل لا يطرح تجارة المخدرات كحكاية إثارة فقط، بل يربطها بالبنية الاجتماعية: الفقر، السلطة الذكورية، مفهوم "الستر"، والبحث عن الأمان داخل منظومة غير أخلاقية، والصعود في هذا العالم ليس بطولة، بل خيار اضطراري في سياق خانق.
تؤكد هند صبري في «مناعة» أنها ممثلة تراهن على الداخل قبل الخارج، فشخصية "غرام " ليست شخصية صاخبة، بل كيان يتشكل تحت الضغط، امرأة تعيد صياغة ضعفها ليصبح أداة قوة، والأداء هنا قائم على الذكاء، على قراءة ما بين السطور، وعلى إيمان بأن التحول الحقيقي يحدث في المساحات الصامتة.
بهذا الدور، تواصل هند صبري مسارها في تقديم شخصيات نسائية معقدة، قادرة على حمل العمل دراميًا دون استعراض، و غرام ليست مجرد زوجة تتحول إلى قائدة شبكة إجرامية؛ إنها صورة لامرأة تصنع من هشاشتها درعًا، ومن خوفها مناعة تحميها في عالم لا يرحم.