
لم يكن تتر المسلسل يومًا مجرد مقدمة موسيقية، بل كان جزءًا من الحكاية نفسها. أجيال كاملة ما زالت تردد تترات مسلسلات مثل ليالي الحلمية والمال والبنون ورأفت الهجان وأرابيسك، لأنها لم تكن أغنيات عابرة، بل ذاكرة صوتية سبقت الصورة وربما تفوقت عليها.
اليوم تغيّر المشهد. أصبحنا في زمن السرعة والتريند، بينما التتر حرفة مختلفة؛ اختزال قصة كاملة في دقيقتين، وبناء حالة تبقى بعد انتهاء الحلقات. لذلك لم يعد غريبًا أن نتذكر من الموسم الماضي أعمالًا قليلة فقط، بينما تمر عشرات الأغاني مرور الكرام.
موسم هذا العام يشهد عودة أسماء ثقيلة إلى ملعب التترات. خبر تعاون الفنان الكبير علي الحجار مع الموسيقار ياسر عبد الرحمن في تتر مسلسل "رأس الأفعى" أعاد الأمل في حضور موسيقي مدروس يليق بعمل وطني، خاصة مع تاريخ عبد الرحمن الطويل في صياغة موسيقى درامية تعيش طويلًا.
ويطل محمد منير بصوته المشحون بالشجن في تتر مسلسل "حد أقصى"، في أغنية تحمل عنوان "تعبت"، وكأنها إعلان استسلام من صاحبها، تتأمل كلماتها رحلة الحياة وتتمسك بالأمل رغم قسوة التفاصيل.
من بين التترات المميزة جدا هذا العام يأتي تتر مسلسل "توابع"، حيث يراهن صناعه على مساحة الحزن والغناء الدرامي الشجني التي يتقنها تامر عاشور، عبر تتر يمزج بين الطابع التجاري وروح الدراما، فكرة أقرب إلى هيتات تامر عاشور التي نجحت جماهيريًا، ولكنه هذه المرة يأتي ببصمة الملحن عزيز الشافعي الذي يضرب رقمًا قياسيًا هذا العام في عدد التترات التي لحنها وكتبها أيضًا.
اللافت هذا العام الحضور الكثيف للملحن ، الذي يتنقل بين أكثر من لون؛ من الرومانسي في مسلسل "على قد الحب" بصوت إليسا، إلى الطابع العاطفي المختلف مع أنغام في ، وصولًا إلى الاجتماعي الشعبي في أولاد الراعي. هذا التنقل يعكس وعيًا بأن التتر ليس قالبًا واحدًا، بل انعكاس مباشر لروح العمل.
المزاج الشعبي حاضر بقوة أيضًا. في يتوزع الرهان بين صوت رحمة محسن ترويجيًا، وحضور محمد عدوية في التتر بطابع شعبي أصيل. بينما اختار صناع مسلسل "مناعة" مغني المهرجانات حودة بندق، في إشارة واضحة لمخاطبة جمهور الشارع، خاصة الطبقات الشعبية التي تحبذ هذا اللون.
أما مسلسلات الشباب فذهبت لاختيارات مختلفة؛ من صوت ريهام عبد الحكيم في تتر "فخر الدلتا" لأحمد رمزي، إلى دخول ويجز عالم التترات لأول مرة عبر مسلسل "عين سحرية" مع عصام عمر.
ربما يشهد النصف الثاني من رمضان حضورًا آخر لتترات مسلسلات النصف الثاني، ولكن الواضح أن زخم تترات هذا العام ، لم يخرج عن المألوف والمتعارف، وإن كانت جودة الصناعة وحضور الأسماء الكبيرة أمرًا لا يمكن إغفاله.
يبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الأعمال إلى ذاكرة باقية كما حدث في الماضي، أم تظل مجرد سوق موسمي موازٍ لصناعة الأغنية؟ الإجابة لن تحسمها الأسماء الكبيرة ولا حجم الإنتاج، بل قدرة كل تتر على أن يحكي الحكاية.. ويعيش بعدها.