اليوم السابع

2026-02-20 01:15

متابعة
تعرف على أبرز تحديات تأمين الصحة النفسية

كتب حسام الشقويرى

على الرغم من الاعتراف المتزايد بأهمية والعقلية، لا تزال هناك تحديات في دمج هذه الخدمات في خطط التأمين بشكل فعال. تتمثل إحدى العقبات الرئيسية في تباين التغطية بين مختلف الوثائق ، قد تقدم بعض الخطط مزايا واسعة النطاق للصحة النفسية، في حين أن بعضها الآخر قد يفرض قيودًا كبيرة، مثل الوصول المحدود إلى الرعاية المتخصصة.

وبحسب ما جاء في نشرة بشكل عام يواجه العالمي، معضلات هيكلية وفنية عند محاولة تصميم منتجات تأمينية تغطي الصحة النفسية ، بنفس كفاءة تغطية الأمراض الجسدية.

 

ويمكن تفصيل هذه التحديات في النقاط الجوهرية التالية:

التشخيص العلمي

تعتمد الصحة النفسية في جوهرها على التشخيص القائم على وصف المريض للأعراض وتفسير الطبيب المعالج لها، وهو ما يمثل تحدياً جوهرياً مقارنة بالأمراض الجسدية التي يمكن إثباتها بيقين وموضوعية عبر الأشعة والتحاليل المخبرية.

ويبرز هذا التحدي بشكل واضح في مسألة "غياب الحدود القاطعة"، حيث يشير الواقع الفني إلى صعوبة التمييز الدقيق في كثير من الحالات بين الضغوط الحياتية اليومية الطبيعية وبين الاضطرابات النفسية المرضية العميقة التي تستدعي تدخلاً تأمينيًا وتعويضياً. ومما يزيد من تعقيد هذا المشهد هو التطور المستمر والمعايير المتغيرة في الأدلة التشخيصية العالمية، حيث يؤدي التغير الدائم في تصنيفات الأمراض النفسية إلى صعوبة بالغة أمام شركات التأمين في صياغة "نماذج مخاطر" اكتوارية ثابتة ومستقرة على المدى الطويل، مما يفرض على القطاع ضرورة تبني آليات تقييم أكثر مرونة وديناميكية لمواكبة هذه الطبيعة المتغيرة للاضطرابات النفسية.

 

صعوبة القياس الاكتواري والتنبؤ المالي

يعتمد التأمين على مبدأ "التنبؤ بالأخطار"، ولكن في الصحة النفسية، يواجه الخبراء الاكتواريون العقبات التالية:

• عدم اليقين بالنسبة للمدة والحدة، أي قد يتحسن المريض ثم ينتكس بشكل مفاجئ، مما يجعل تقدير "التكلفة النهائية للمطالبة أمراً غاية في الصعوبة.

• التداخل مع الصحة الجسدية:  وجود علاقة معقدة  بين الصحة الجسدية والنفسية، فالمريض النفسي قد تظهر عليه أعراض جسدية ترفع تكلفة العلاج العام، ويصعب على شركات التأمين فصل التكلفة النفسية عن الجسدية بدقة.

 

نقص البيانات التاريخية و مدى جودتها

لكي يتم تسعير وثيقة التأمين بشكل عادل، تحتاج الشركات إلى سجلات تمتد لعقود.

لعقود طويلة، كانت الصحة النفسية تُستثنى من التغطية، مما أدى إلى "ثقب أسود" في البيانات،  حيث لا تملك الشركات اليوم بيانات كافية حول معدلات الشفاء أو نسب العجز الناتجة عن اضطرابات معينة مثل الاكتئاب المقاوم للعلاج.

كما أن الخصوصية الصارمة والتي تمثل القوانين التي تحمي سرية المريض النفسي – رغم أهميتها الأخلاقية – تحد من قدرة شركات التأمين على تحليل البيانات الضخمة (Big Data) لتحسين جودة الخدمات.

 

ظاهرة "الاختيار العكسي" والمخاطر الأخلاقية

تُعد ظاهرة الاختيار العكسي واحدة من أعقد التحديات التي تواجه استدامة محافظ التأمين النفسي، حيث يميل الأشخاص الذين يدركون مسبقاً احتمالية تعرضهم لنوبات أو اضطرابات نفسية إلى شراء وثائق التأمين بكثافة، بينما يبتعد الأفراد الأصحاء عن التأمين، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خلل جوهري في توازن محفظة المخاطر لدى الشركات ويضطرها لرفع الأسعار على جميع المؤمّن عليهم لتغطية التكاليف المرتفعة.

ويتصل بذلك ما يُعرف بـ "المخاطر الأخلاقية"، والتي تشير إلى احتمالية زيادة استهلاك الخدمات العلاجية، مثل الإفراط في عدد جلسات العلاج النفسي، لمجرد أنها مغطاة تأمينياً ودون وجود ضرورة طبية ملحة في بعض الأحيان، الأمر الذي يسبب استنزافاً وإرهاقاً لشركات التأمين والموارد المتاحة. وللتخفيف من حدة هذه المخاطر والوقاية من محاولات الاحتيال، اتجهت بعض شركات التأمين إلى وضع بنود احترازية تتضمن "فترات انتظار" لتأجيل المطالبات لمدة تتراوح عادةً بين ثلاثة أشهر وسنة كاملة من تاريخ بدء الوثيقة.

وتستهدف هذه البنود التنظيمية منع الأفراد من تقديم مطالبات مالية فور شراء الوثيقة مباشرة، مما يضمن جدية الاكتتاب واستقرار الصندوق التأميني. ونتيجة لهذه الإجراءات الحمائية، أصبح من الممكن تيسير توفير التغطية والحماية ضد حالات نفسية معقدة مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب الشديد، ونوبات القلق الحادة، وذلك من خلال دمجها في العديد من منتجات التأمين ضد العجز الكلي والدائم وبرامج حماية الدخل، بما يضمن توازناً دقيقاً بين توفير الرعاية والحفاظ على الملاءة المالية للقطاع.

 

دور الابتكار الرقمي في سد فجوة تأمين الصحة النفسية

لا تعد الحلول الرقمية مجرد وسيلة بديلة لتقديم الخدمة، بل هي أداة قوية لإعادة صياغة "القابلية للتأمين" (Insurability) من خلال خفض التكاليف وتحسين الوصول للبيانات.

ويمكن تفصيل هذا الدور من خلال النقاط التالية:

النظام البيئي للصحة النفسية الرقمية

يتشكل النظام البيئي للصحة النفسية الرقمية اليوم من خلال أربع فئات تكنولوجية رئيسية أحدثت طفرة في دعم العمليات التأمينية وتعزيز كفاءتها؛ حيث تبرز

أولاً: أدوات الوقاية الرقمية، وتتمثل في تطبيقات تتبع الحالة المزاجية واليقظة الذهنية التي تعتمدها شركات التأمين كآليات استباقية لتعزيز الصحة الوقائية لدى المؤمن عليهم وتقليل احتمالات تفاقم الحالات. وتليها المنصات العلاجية المتطورة التي تعمل كحلقة وصل تقنية فعالة لربط المرضى بالمعالجين المتخصصين عبر الإنترنت، مما يسهل الوصول للخدمة وتجاوز العقبات الجغرافية.

أما الفئة الثالثة فتتمثل في أنظمة التشخيص الرقمي، والتي تعتمد على استخدام الخوارزميات المتقدمة والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات السلوكية بدقة وموضوعية تفوق الطرق التقليدية، مما يساعد الشركات في تقييم المخاطر بشكل أعدل.

وأخيراً، تبرز العلاجات الرقمية (Digital Therapeutics) كأحدث التطورات في هذا المجال، وهي عبارة عن برامج برمجية وتطبيقات معتمدة طبياً ومثبتة علمياً، مصممة لعلاج حالات واضطرابات محددة مثل القلق والاكتئاب بشكل مستقل أو مكمل للعلاجات التقليدية، مما يوفر لقطاع التأمين بدائل علاجية فعالة ومنخفضة التكلفة وقابلة للقياس والتقييم.

المؤشرات الحيوية الرقمية والرصد المبكر

تعتمد هذه التقنيات الحديثة في جوهرها على آليات متطورة لجمع وتحليل البيانات الحيوية من الهواتف الذكية، بما في ذلك مؤشرات دقيقة مثل سرعة ونبرة الكلام وأنماط الكتابة الرقمية ومستويات النشاط البدني وذلك بهدف التنبؤ المبكر بالأزمات النفسية قبل وقوعها. ويمثل هذا التطور التكنولوجي تحولاً جذرياً في استراتيجيات شركات التأمين، حيث ينتقل بها من نموذج "الاستجابة للمرض" بعد وقوعه إلى نموذج التنبؤ الاستباقي به؛ فعندما تكتشف الخوارزميات بوادر أولية لنوبة اكتئاب أو انتكاسة نفسية، يصبح بإمكان شركة التأمين التدخل الفوري بتقديم الدعم المبكر والتدابير الوقائية اللازمة. إن هذا النهج لا يساهم فقط في تحسين النتائج الصحية للمؤمن عليهم، بل يؤدي أيضاً إلى تجنب الحاجة لعمليات دخول المستشفيات والإقامة الطويلة التي قد تكلف شركات التأمين آلاف الدولارات، مما يحقق كفاءة اقتصادية وتأمينية غير مسبوقة.

البيانات والذكاء الاصطناعي

تساهم تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في إحداث ثورة داخل القطاع التأميني من خلال مسارين جوهريين؛ المسار الأول يتمثل في تحسين آليات التسعير والاكتتاب، حيث يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحليل كميات هائلة من البيانات لتحديد الأنماط والعوامل الدقيقة التي تؤدي إلى تحسن الحالة الصحية للمرضى، مما يوفر للخبراء الاكتواريين رؤية تحليلية معمقة تساعدهم في وضع أسعار أكثر دقة وعدالة تعكس حجم المخاطر الحقيقي.

أما المسار الثاني فهو تعزيز مفهوم التخصيص (Personalization)، وهو ما يعني الانتقال الجذري من الوثائق التأمينية التقليدية القائمة على مبدأ "مقاس واحد يناسب الجميع" إلى تصميم وثائق تأمين ذكية ومرنة تعتمد بشكل مباشر على نمط حياة المؤمن عليه، ومدى تفاعله الرقمي الإيجابي مع برامج الصحة والعافية؛ هذا التوجه لا يضمن فقط ملاءمة التغطية للاحتياجات الفردية، بل يحفز المؤمن عليهم أيضاً على تبني سلوكيات صحية تساهم في استقرار محفظة المخاطر على المدى الطويل.

 

تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News

اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب

للإطلاع على النص الأصلي
22
0
مشاركة
حفظ

آخر الأخبار

أحدث الأخبار

    أحدث الفيديوهات