
درجات حرارة تصل إلى 11 تحت الصفر، طوابير طويلة من الجمهور يقفون تحت الشماسي، يحمون أنفسهم من تساقط الثلوج أمام قاعة السينما بقصر مهرجان برلين السينمائي في دورته الـ 76، حب السينما هو الدافع الوحيد للوقوف تلك الوقفة المرهقة، وسط أجواء طقس باردة والتي يقال إنها الأولى من نوعها منذ فترة طويلة.
أمام شاشة ضخمة جلس الجمهور العريض يبحث عن الدفء، في حدوتة فيلم ""، قصة حب أسطورية تجمع آنا كالدر مارشال والتي تلعب دور ليزلي مع توم كورتيني والذي يلعب دور مارتن، طرفي الحب في أواخر سنواتهما، وأماندا والتي تلعب دورها جولييت بينوش، منفصلة عن زوجها حديثا وابنتها سارة التي تلعب دورها فلورنس هانت.

أربع أطراف للحكاية، ليزلي وزوجها، الزوجان العاشقان، أماندا المطلقة التي تقف بين والدتها وزوج والدتها، سارة ابنة أماندا التي تتحسس أولى خطواتها في عالم الرومانسية والحب مع صديقها المراهق، شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية والحب والمشاعر المختلطة التي تتلاشى فيها حدود الصواب والخطأ، فلا إجابات نموذجية ولا قرارات مثالية.
وسط سكون القاعة وهدوئها أمام هذه الشاشة العملاقة وأمام واحد من أهم أفلام مسابقة المكونة من 22 فيلما، تذكرت أغنية رامي صبري من كلمات الشاعر تامر حسين: "غريب الحب مين فاهمه.. ما بين اتنين بيتفارقوا.. وبين اتنين بيتفاهموا.. في حد الحب ده سارقه.. وحد الحب كان واهمه.. والفرصة التانية بنستناها.. واهو بنصلح غلطات بعد ما عدنا الحسابات حتى ولو مش قاصدين، لسه في عمرنا حكايات هنسيب فرحتنا لمين.. ونروح ونسيب ونقول محصلش نصيب".

يعود المخرج لانس هامر بفيلم "Queen At Sea"، بعد غياب 18 سنة من تقديمه فيلم Ballast، ليقدم تحفة سينمائية في تقديري ستعيش طويلا، عن المشاعر والحب والعاطفة والشعرة الفاصلة بين الحب والرعاية والاهتمام وبين الاستغلال العاطفي والجسدي .
"ليزلي" لا تتذكر شيئا سوى أنها كانت عاشقة لزوجها "مارتن"، تتلاشى أغلب الذكريات بسبب إصابتها بالخرف، ولكن جسدها لا يزال يذكر لمسات زوجها وحنانه عليها، اهتمامه بها، تقديره لها ولمشاعرها، وسط استغلاله لهذا الجسد المتهالك والذاكرة المشوشة بسبب الخرف، يمارس معها العلاقة الحميمية وسط مخاوف وتحذيرات الأطباء، طفلان كبيران يرفضان التحكم في تصرفاتهما، تملؤهما طاقة الحب والنشاط والحيوية رغم هرمية العمر، يحرصان على عادتهما في المشي وكأنهما في ريعان شبابهما عاشق وعاشقة.

يضع الفيلم الجمهور في حيرة من المشاعر، التعاطف مع زوج الأم العاشق المحب المهتم والمستغل في نفس الوقت لزوجته، والزوجة التي تتلاشى ملامح ذاكرتها تغيب عن واقعها أحيانا وتعود إليه أحيانا أخرى، لا تنطق سوى كلمات بسيطة لكن جسدها يعي جيدا احتياجه للحب والاهتمام والتلامس الذي اعتاد عليه من الزوج مارتن، الابنة أماندا المنفصلة حديثا، الحائرة بين حماية والدتها وبين مشاعر الحب والاهتمام التي يمنحها زوج والدتها لأمها، والذي هو بالمناسبة كهلا أيضا ويحتاج ربما لرعاية من نوع مختلف، والحفيدة سارة المنفتحة على الحب والرومانسية، وكأن العمل يرصد ثلاث محطات في مشوار الحب والعاطفة، الحفيدة المنفتحة عليه، الابنة المطلقة، الجدة وزوجها المحبان في خريف العمر.

يضع لانس هامر الحياة بكل تعقيداتها أمام الجمهور، فلا رأي صائب ولا قرار خاطئ، فكل قرار يحمل الخطأ والصواب في آن واحد، وما تراه مناسبا قد يراه الطرف الثاني غير ذلك. وما بين حيرة أماندا في محاولات الحفاظ على والدتها، تندفع لإدخال السلطات في علاقة والدتها وزوج والدتها، لتقف أمام الشعور بالندم والشعور باتخاذ القرار الصحيح لكن في النهاية.

وسط المدينة التي تعيش في الضباب، وحده الحب هو الشعلة التي تنير حياة ليزلي ومارتن، وهي نفس الشعلة التي تحرق ليزلي في أحيان وتحرق مارتن في أحيان أخرى، فتشعر بالغضب تجاه تصرفاتهما وبالتعاطف أيضا، خاصة وأن الطرفين في مواجهة مرض الخرف، ذلك المرض الذي يأكل الروح.

"Queen At Sea" واحد من أكثر الأعمال السينمائية قيمة في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي، وربما يكون هو الحصان الرابح في حفل توزيع الجوائز، كونه متميزا سينمائيا، وكأن هامر وضع فيه كل طاقة الغياب ليعود بتحفة سينمائية تبث الدفء في قلوب جمهور البرلينالة الذي تجمدت أطرافه بسبب الصقيع في انتظار وجبة سينمائية دسمة تشبع نهمه.
