
لم تكن ليلة العاشر من رمضان مجرد موعد على التقويم، يا صديقي، بل كانت اختبارا لمعنى الإرادة نفسها. قبل أن تنطلق المدافع، كان هناك صمت ثقيل يسبق الانفجار، صمت يشبه اللحظة التي تسبق قرارا مصيريا في حياتك أنت. الأرض ساكنة، لكن القلوب لم تكن كذلك. جنود يقفون على الضفة الشرقية لقناة السويس، صائمون، مرهقون، لكن أعينهم ثابتة على الضفة الأخرى، حيث ينتظرهم المستحيل.
تخيل جنديا شابا، قدماه في الطين، ويداه مشدودتان إلى بندقيته. ليس لأنه بلا خوف، بل لأنه قرر أن يدير خوفه لا أن يستسلم له. أمامه ساتر ترابي شاهق، وخلفه وطن كامل ينتظر لحظة رد الاعتبار. دقائق تفصلهم عن ساعة الصفر، والزمن يبدو وكأنه يتباطأ احتراما لما سيحدث. في تلك اللحظة لم يكن السؤال: هل سنعبر؟ بل: هل نحن مستعدون لدفع الثمن؟
ليلة العبور لم تولد فجأة. كانت نتيجة ست سنوات من جرح مفتوح منذ 1967، جرح لم يصب الأرض فقط، بل أصاب الثقة. تحولت الهزيمة إلى يقين ثقيل بأن التفوق الإسرائيلي قدر لا يُكسر. لكن داخل غرف التخطيط، كان هناك سؤال آخر يُصاغ بهدوء: ماذا لو كان العبور ممكنا؟ ماذا لو كانت الأسطورة مجرد صورة قابلة للسقوط؟
خطة «بدر» لم تكن تحركا عسكريا فحسب، بل إعادة تشكيل للعقل الجمعي. خداع استراتيجي، إعداد طويل، صبر بارد، ثم لحظة انفجار محسوبة. وعند الثانية ظهرا في السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان، تحرك المشهد كله دفعة واحدة. المدافع فتحت الطريق، القوارب المطاطية اندفعت، والجنود عبروا المياه التي ظن كثيرون أنها حد نفسي قبل أن تكون حدا جغرافيا.
يا صديقي، لم يكن ذلك عبور قناة فقط، بل عبورا لفكرة. عبورا من موقع الدفاع إلى الفعل، من انتظار الضربة إلى صناعتها. في ساعات قليلة، سقطت أسطورة الردع النفسي، واكتشف الجميع أن المستحيل ليس قانونا، بل حالة ذهنية. الجيش الذي بدا لسنوات كيانا لا يُهزم، واجه واقعا مختلفا: خصما مستعدا، ومفاجأة محسوبة، وإرادة قررت ألا تتراجع. وهنا كان التحول الحقيقي؛ ليس في عدد الدبابات، بل في كسر حاجز الخوف.
وسط هذا الضجيج، كانت هناك لحظات إنسانية صامتة. جندي يعبر، يرى رفاقه يسقطون، يشعر برعشة في صدره، لكنه لا يتوقف. الشجاعة لم تكن غياب الرهبة، بل القدرة على التحرك رغمها. وهذه النقطة تحديدا هي قلب الحكاية.
وهنا، اسمح لي باعتراف لم يُكتب من قبل: نحن نمجد العبور حين يكون عسكريا، لكننا نتردد حين يكون شخصيا. كم مرة وقفت أمام «قناتك» الخاصة ولم تعبر؟ قرار تعرف أنه صحيح، خطوة تعلم أنها ضرورية، كلمة حق تعرف أنها واجبة... ثم اخترت التأجيل لأن الخوف كان أعلى صوتا من يقينك؟ أعترف لك يا صديقي أنني فعلت ذلك. رأيت الضفة الأخرى واضحة، وعرفت أن العبور هو الطريق الوحيد للنضج، لكنني ترددت. لم يكن ينقصني الاقتناع، بل الشجاعة للحظة واحدة فقط.
ليلة العاشر من رمضان تعلمنا درسا بسيطا وعميقا: الإرادة ليست غياب الخوف، بل إدارة الخوف. الجندي الذي نزل الماء لم يكن خاليا من القلق، لكنه قرر أن يتحرك قبله لا بعده. وهذا الفارق بين من يصنع التاريخ ومن يكتفي بتفسيره.
العبور لم يكن نهاية الصراع، ولم يكن نصرا بلا ثمن، لكنه كان لحظة استعادت فيها الأمة قدرتها على النظر إلى نفسها دون انكسار. لحظة قالت فيها: يمكننا أن نحاول، ويمكننا أن نغير المعادلة. وهذا وحده كان كافيا ليعيد تعريف الممكن.
واليوم، بعد عقود، يبقى السؤال معلقا بيني وبينك: ما هي القناة التي تقف أمامك الآن؟ ما هو الساتر الترابي في حياتك؟ خوف من الفشل؟ أم خوف من النجاح؟ ليلة العبور لا تجيب بدلا عنك، لكنها تذكرك بأن القرار لحظة، وأن التردد قد يطيل الحرب أكثر مما يفعل العدو.
وأعدك يا صديقي، في الليلة القادمة من سلسلتنا «ليالٍ غيّرت التاريخ... ما لم يُكتب عنها»، سنذهب إلى غار حراء، حيث لم تُطلق مدافع، لكن كلمة واحدة أطلقت حضارة كاملة. هل أنت مستعد لعبور آخر؟
-
قصص السماء... بوصلة رمضان -
الخوف يمشي على أربع -
حروب أمريكا التي تأبى أن تموت -
وهم الشعب المختار